كتب دكتور: إسماعيل جابر
أكاديمي . مستشار تعليم وتدريب
لا أدري إن كان غيري يلاحظ ما ألاحظه أم لا؟ ، لكنني أشعر أننا أصبحنا نعيش في زمن لا يعاني فيه الإنسان من نقص المعلومات، بقدر ما يعاني من فائض الملهيات.
أصبحنا نستيقظ على إشعارات لا تنتهي من وسائط التواصل الاجتماعي والإعلام، ونمضي يومنا بين مقطع قصير وآخر، وخبر عاجل وآخر، وصورة وتعليق، حتى ينتهي اليوم دون أن نسأل أنفسنا: ماذا أنجزنا؟ وماذا أضفنا إلى حياتنا؟
لست ضد الترفيه، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الراحة وتجديد النشاط، لكن ما يثير القلق هو أن يتحول الترفيه من وسيلة للاستجمام إلى أسلوب حياة، وأن يصبح استهلاك المحتوى عادة يومية تستنزف الوقت والانتباه دون أن نشعر.
ما ألاحظه، وربما يشاركني كثيرون هذه الملاحظة، أن معركة هذا العصر لم تعد على المال أو الموارد فقط، بل على انتباه الإنسان. فكل منصة، وكل تطبيق، وكل إعلان، يسعى لأن يحتفظ بك أطول وقت ممكن. وكل دقيقة تقضيها أمام الشاشة تعني شيئًا في حسابات تلك المنصات، بينما قد تعني شيئًا مفقودًا في حسابات حياتك.
الامر الغريب والعجيب أننا نهتم ونحفظ تفاصيل هذه الملهيات مع معرفتنا أنها لا تضيف إلى مستقبلنا شيئًا، بينما نؤجل قراءة كتاب، أو تعلم مهارة، أو تنفيذ فكرة، أو تطوير ذاتك بحجة أن الوقت لا يكفي. والحقيقة أن الوقت موجود، لكنه يتسرب بهدوء بين أصابعنا، دون أن ننتبه .
لقد لفت الإسلام أنظارنا إلى قيمة الوقت قبل قرون، فقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾، وقال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». وهي دعوة للتأمل في كيفية استثمار أعمارنا، لا لرفض متع الحياة أو الانقطاع عنها .
لسنا مطالبين بأن نهجر هواتفنا، ولا أن نعتزل وسائل التواصل، ولكننا مطالبون بأن نبقى أصحاب القرار في استخدامها. فالتقنية خُلقت لتخدم الإنسان، لا ليصبح الإنسان أسيرًا لها.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يستحق أن يرافق كل واحد منا في نهاية كل يوم: هل كنت أنا من أدرت وقتي وانتباهي، أم أن غيري هو من فعل ذلك نيابة عني؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تختصر جانبًا كبيرًا من مستقبلنا. فالوقت لا يُسرق دفعة واحدة، بل يُستنزف دقيقة بعد أخرى… حتى نكتشف، بعد سنوات، أننا كنا مشغولين بكل شيء، إلا بما يستحق أن ننشغل به .
يتبع


