حين يرحل الطيبون… تبقى حكاياتهم

نشرت :

إعداد: الحكواتية والكاتبة/ ثمنة الجندل

كلما مررتُ بذلك المبنى الذي كان يحتضن فرع جريدة عُمان في صلالة، فاضت إلى قلبي الذكريات.

أرى بعين الخيال أولئك الكُتّاب والصحفيين والمصورين وهم يغدون ويروحون، يحملون دفاترهم وكاميراتهم، يطاردون الخبر، ويلتقطون الصورة، ويبحثون عن الحقيقة. كان المبنى يعج بالحياة، وكانت الكلمة فيه تُولد كل يوم، لتصل إلى الناس مع أول ضوء للصباح.

لكن الأيام لا تُبقي أحدًا.

فى البداية ، وقبل كم من سنة، فقدنا الأخ والوالد والزميل الأستاذ سالم بن عقيل باعمر ( ابو عادل)، ثم لحق به الأخ والزميل والشاعر والكاتب علي بن سهيل حارادان، وبعده الزميل عوض بن فارح حسين، ثم المصور عبدالرحيم سبيت. رحلوا واحدًا تلو الآخر، وترك كل واحد منهم فراغًا لا يملؤه أحد.
عرفتهم لسنوات طويلة، وتشرفت بالعمل معهم، وغابوا عن الدنيا، لكنهم تركوا أثرًا جميلًا، وسيرةً طيبة، وذكريات لا تزال تنبض بالحياة.
وصباح هذا اليوم…
استيقظت على فاجعة جديدة، خرجت من المبنى نفسه الذي جمعنا يومًا.
قرأت الخبر، ولم أرد أن أصدقه، لكن كما يقول المثل: “خبر الموت ما فيه كذب.”
رحل أخي، وزميلي، ورفيق طفولة، الإنسان الخلوق النبيل، الصابر المحتسب، الكريم، صاحب الابتسامة الصادقة، الصحفي عامر بن غانم الرواس (أبو نور).
لم يكن عامر بالنسبة لي مجرد اسم في صحيفة، ولا زميلًا في مكتب، بل كان صفحةً جميلة من صفحات العمر، بدأت في جريدة عُمان، حتى أصبحت حكاية عنوانها القلم، والكلمة، والمحبة.

دخلتُ عالم الصحافة بخطوات مترددة.
فأنا في الأصل معلمة لغة إنجليزية، ولم أدرس الإعلام أو الصحافة، لكنني كنت أحب الكتابة، وأؤمن بالكلمة، وكان ينقصني فقط من يأخذ بيدي.
وكان عامر واحدًا من أولئك الذين يصنعون الفرق في حياة الآخرين.
كنت أكتب الخبر، فيعيد قراءته، وأكتب التقرير فيراجعه، وأتعثر في صياغة الحوار أو المقال، فلا أسمع منه كلمة إحباط، ولا عبارة تقلل من شأني.
بل كان هو، ومعه الكاتب الصحفي الكبير المرحوم علي بن سهيل حارادان، يبدأان دائمًا بالتشجيع، ثم يجلس أحدهما معي، يصحح، ويشرح، ويعلّم، حتى أصبحت أتقن فنون الكتابة الصحفية، وأكتب بثقة بعد أن كنت أخشاها.
ولا تزال كلمته ترن في أذني إلى اليوم:
“الموهبة عندك… والخبرة تأتي مع الأيام.”
وكانت تلك الكلمات وقودًا لكل خطوة خطوتها بعد ذلك.
وفي كل موسم من مواسم خريف ظفار، كانت تجمعنا رحلة صحفية جميلة.
كنا نكتب معًا عمودًا يوميًا بعنوان «لسعة فنية»، نحاول من خلاله أن نسلط الضوء على الجمال، وأن نشير إلى مواطن القصور بروح محبة، لا بروح النقد الجارح.
فإذا وافقنا الناس، انهالت علينا كلمات الشكر والثناء، وإذا اختلفنا مع البعض، جاءت الاتصالات الغاضبة تباعًا.
وكان أبو نور العين يستقبلها بابتسامته الهادئة المعهودة، ويقول بثقة إن الكلمة الصادقة لا تُكتب لإرضاء الجميع، وإنما لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة.
أما أكثر، ما كان يدهشني منه، فلم يكن قلمه،
بل روحه.
لحوالي ثلاثين عامًا عاش ظروفًا صحية بالغة الصعوبة، لكنه لم يسمح يومًا للمرض أن يهزم ابتسامته.
إذا جلست معه، نسيت التعب، ونسيت المرض، ونسيت كل ما يثقل الجسد والروح.
ترى أمامك إنسانًا محبًا للحياة،
يعشق الضحكة،
ويحب الطرفة،
ويفرح لنجاح الآخرين كما يفرح لنجاحه.
لم يكن يعرف التذمر، ولا الشكوى، ولا السخط.
كان راضيًا بقضاء الله، مؤمنًا بأن الرضاء نعمة، وأن الإنسان ما دام قلبه عامرًا بالإيمان، فهو يملك الدنيا كلها.
وكم كان داعما لي.
إذا ذهبت لإجراء لقاء مع أديب أو فنان، خاصة في زحام خريف صلالة، كان هاتفي لا يهدأ!
يتابعني.
ويقترح عليّ الأسئلة.
ويذكرني بما ينبغي أن أستفسر عنه.
وإذا استعصى عليّ الوصول إلى شخصية معينة، لم يكن يتوقف حتى يسهل لي الطريق إليها.
ومنه تعلمت أن الصحفي لا يكتفي بطرح السؤال، بل يعرف كيف يصوغه، ومتى يطرحه، وكيف يبحث عن المعلومة الصحيحة.
ومن المواقف التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، أنه كان يرفض أن أبقى “صحفية متعاونة”.
كان يدافع، ويصر على أن أحمل بطاقة صحفية رسمية، ويؤمن أن المجتهد لا بد أن يأخذ مكانه الذي يستحقه، وأن الإنصاف واجب لكل من يعمل بإخلاص.
ذلك كان عامر أبو نور العين…
يشجع الآخرين أكثر مما يتحدث عن نفسه.
ويرفع من حوله، دون أن ينتظر كلمة شكر.
واليوم…
أدركت أن بعض الناس يرحلون ولكن،
يتركون خلفهم أصواتهم،
وكلماتهم،
وابتساماتهم،
وطرائفهم،
ومواقفهم؛
فتبقى حاضرة بيننا، وكأنهم لم يغيبوا.
رحمك الله يا أبا نور العينج
كنت معلمًا دون أن تدّعي التعليم، وملهمًا دون أن تبحث عن الأضواء، وصاحب أثر سيظل حيًا في قلوب كل من عرفك.
أسأل الله أن يجعل صبرك الطويل على الابتلاء نورًا في قبرك، وأن يبدل تعب السنين راحةً أبدية، وأن يجعل كل خير قدمته للناس في ميزان حسناتك.
أما نحن…
فسنبقى كلما كتبنا كلمة صادقة، أو شجعنا موهبة ناشئة، أو ابتسمنا في وجه إنسان، نتذكرك، لأنك مررت من هنا…
وتركت أثرًا لا يزول.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img