مشاركة جبل سمامة من تونس عبر طريق الحرير نحو القمة العالمية لمقاومة التصحر في العاصمة أولان باتور – منغوليا. الأستاذ عدنان الهلالي يمثل الجمهورية التونسية في هذا المحفل الثقافي والبيئي.
الكاتب: د. ماهر بن عباس الهلالي باحث في التراث الثقافي غير المادي والتنمية الثقافية – سلطنة عُمان
تمهيد: تُشكل الثقافة والوعي الإنساني الركيزة غير المادية الأساسية للمخططات العالمية الموجهة لمكافحة التدهور البيئي. إن دمج المبادرات الثقافية والفنون الأصيلة مع العلوم البيئية يمثل النهج الأكثر شمولاً لتعزيز الاستدامة والحدّ من التغيرات المناخية الحادة.
وفي قلب العاصمة المنغولية “أولان باتور”، اجتمع الرعاة، والناشطون البيئيون، وعشاق الطبيعة من مختلف أنحاء العالم في القمة العالمية لمكافحة التصحر؛ ليس فقط لاستكشاف الحلول التقنية والمناخية، بل لتقديم رؤية إنسانية وثقافية شاملة تجد جذورها في المجتمعات المحلية للدفاع عن كوكب الأرض.
أولاً: الأبعاد العلمية والبيئية لأزمة المناخ
يعاني النظام البيئي العالمي اليوم من ظواهر حادة ومتشابكة ناتجة عن النشاط الصناعي غير المستدام والتلوث المفرط، وأبرزها:
- الاحتباس الحراري (Global Warming): الناتج عن تراكم غازات الدفيئة (مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان) في الغلاف الجوي بسبب انبعاثات المصانع والأنشطة الصناعية، مما يحبس الحرارة ويرفع متوسط درجات الحرارة العالمية.
- استنزاف طبقة الأوزون (Ozone Depletion): على الرغم من جهود التعافي، فإن مركبات الفلوروكاربون والملوثات الصناعية أثرت تاريخياً على سُمْك هذه الطبقة الاستراتوسفيرية الواقية، مما زاد من تدفق الأشعة فوق البنفسجية الضارة.
- التصحر وتدهور الأراضي (Desertification and Land Degradation): يفقد العالم سنوياً ملايين الهكتارات من الأراضي الصالحة للزراعة والرعي نتيجة للرعي الجائر، والبناء العشوائي، واستنزاف المياه، والتقلبات المناخية الحادة.
ثانياً: “التكلس الفكري” والمسؤولية الصناعية
يشير مفهوم “التكلس الفكري” – أو جمود الوعي القطاعي لدى المجالات الصناعية والاستثمارية – إلى الانفصال المعرفي بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على التوازن البيئي:
“إن الأزمة البيئية هي في جوهرها أزمة سلوك ومعرفة قبل أن تكون مجرد تغير في المؤشرات المناخية. وتجاوزها يتطلب إعادة تشكيل الوعي الذي يحرك الآلة والمصنع.”
- الأثر الاستهلاكي: التركيز المفرط على الإنتاج السريع والتصنيع المكثف دون مراعاة للبصمة الكربونية.
- غياب التنمية المستدامة: تقديم الأرباح قصيرة الأجل على حساب الاستدامة البيئية والمسؤولية الاجتماعية.
ملخص البحث (Abstract) مثّل طريق الحرير تاريخياً شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية والحوار بين القارات، كما جسّد آلية حيوية للتكيف البيئي ونقل المعرفة. وفي العصر الحديث، يستدعي التهديد العالمي للتصحر وتدهور الأراضي حلولاً مبتكرة ذات جذور ثقافية. تُسلط هذه المقالة الضوء على التقاطع بين التنمية الثقافية المستدامة، والتراث البيئي-العرقي على طول طريق الحرير، والحفاظ على البيئة. كما تبرز الدور المحوري للأمم المتحدة – لا سيما من خلال منظمتي اليونسكو (UNESCO) والاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر (UNCCD) – في استثمار التراث الثقافي كأصل استراتيجي لمكافحة التصحر وضمان الأمن البيئي العالمي.
1. المقدمة يشكل التصحر أحد أكثر التحديات البيئية إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين، حيث يهدد الأمن الغذائي، والتنوع البيولوجي، وسبل عيش البشر عبر المناطق الجافة وشبه الجافة. ورغم أهمية التدخلات التكنولوجية الحديثة، فإن الاستراتيجيات البيئية التقليدية غالباً ما تتجاهل الثروة الهائلة من المعارف البيئية التقليدية (TEK) المكنونة في التراث الثقافي غير المادي.
تقدم شبكة طريق الحرير التاريخية خزانة غنية بالتكيف الإنساني مع البيئات الصحراوية القاسية. إن استعادة هذا الإرث الثقافي ودمجه في أطر الاستدامة الحديثة يوفر مساراً شمولياً نحو الاستعادة البيئية والأمن الكوكبي.
2. التراث الثقافي غير المادي كعنصر للمرونة البيئية طوّرت الحضارات المتعاقبة على طول طريق الحرير ممارسات مستدامة متطورة مصممة خصيصاً للأنظمة البيئية الصحراوية وشديدة الجفاف. وقد حُفظت هذه الممارسات ونُقلت عبر الأجيال من خلال التقاليد الشفهية، والأعراف المحلية، والطقوس المجتمعية:
- الهندسة المائية التقليدية: تمثل إدارة المياه القديمة (مثل الأفلاج والقنوات) شكلاً مبكراً من أشكال الاستدامة البيئية، مما مكن المجتمعات من الازدهار في البيئات القاسية دون استنزاف الموارد الطبيعية.
- المعارف الزراعية-البيئية: تقدم المحاصيل التراثية، وأنظمة دورة المحاصيل، وممارسات استخدام الأراضي التقليدية المترسخة في الفلكلور الإقليمي بدائل مستدامة للنماذج الزراعية المكثفة المسببة لتدهور الأراضي.
3. الدور الحيوي للأمم المتحدة تمت مأسسة دمج التنمية الثقافية في العمل البيئي العالمي بفضل جهود الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة:
- اليونسكو وحماية التراث الثقافي: من خلال اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003) واتفاقية التراث العالمي (1972)، تعمل اليونسكو بفعالية على توثيق المعارف البيئية التقليدية وحمايتها. كما يُعد “برنامج طريق الحرير” التابع لليونسكو منصة دولية للحوار بين الثقافات، والبحوث متعددة التخصصات، وإحياء ممارسات الاستدامة التاريخية.
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD): تعترف الاتفاقية صراحة بأهمية المعارف المحلية ونظم معارف السكان الأصليين في مواجهة تدهور الأراضي. ومن خلال تعزيز الإشراف المجتمعي على الأراضي، تُجسر الاتفاقية الفجوة بين السياسات العلمية والممارسات الثقافية المحلية.
- التوافق مع خطة 2030: يعزز هذا النهج بشكل مباشر أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لا سيما الهدف 13 (العمل المناخي)، والهدف 15 (الحياة في البرّ)، والهدف 11 (مدن ومجتمعات محلية مستدامة).
4. الهندسة الثقافية: نموذج استراتيجي لاستعادة الأراضي إن دمج التراث الثقافي بالسياسات البيئية الحديثة – وهو المفهوم الجوهري لـ “الهندسة الثقافية” – يحول الذاكرة التاريخية إلى أداة للمقاومة البيئية الفاعلة، من خلال:
- الملكية المجتمعية: تحويل المجتمعات المحلية من مجرد متلقين للتكنولوجيا إلى شركاء فاعلين في حملات مكافحة التصحر.
- السياحة البيئية والنمو المستدام: إحياء مواقع التراث والفنون غير المادية على طريق الحرير يخلق فرصاً للسياحة البيئية والثقافية، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويدعو لحماية الأراضي.
- التعاون عبر الحدود: الشراكة الإقليمية التي يتيحها طابع طريق الحرير العابر للحدود تسمح للدول المتجاورة بتبادل الحلول البيئية المستندة إلى التراث.
ثالثاً: العمل الثقافي كأداة للمقاومة والتنمية المستدامة
إن مشاركة التجارب المحلية الرائدة – مثل تجربة الرعاية الثقافية في جبل سمامة وحضور الفنان الأستاذ عدنان الهلالي في المؤتمر – تسلط الضوء على دور الفنون والعمل الثقافي في:
- إعادة ربط الإنسان بالأرض: تعمل الفنون الثقافية والتقاليد الرعوية على تجديد العلاقة الرمزية والمادية بين المجتمعات وبيئتها، مما يعزز شعور الأفراد بالمسؤولية والوصاية على الطبيعة.
- التنمية الثقافية كركيزة بيئية: لا تقتصر التنمية على البنية التحتية، بل تشمل بناء وعي جمعي يستشعر خطر التصحر ويدفع نحو حلول قائمة على الطبيعة.
- إعلاء أصوات المجتمعات المحلية: يمثل الرعاة وملاك الأراضي خط الدفاع الأول ضد التصحر؛ ومشاركة تجاربهم الميدانية تُثري السياسات الدولية بحلول عملية نابعة من بيئتهم.
الخاتمة تؤكد التجمعات العالمية لمكافحة التصحر – من منغوليا إلى بقية أنحاء العالم – أن حماية الطبيعة وحماية الإنسان مساران متوازيان. إن دمج العمل الثقافي والفن في الاستراتيجيات البيئية يضفي طابعاً إنسانياً على قضايا المناخ، ويحول المفاهيم العلمية المجردة إلى وعي حقيقي وممارسة حية تستعيد ما أفسده النمو الصناعي غير المتوازن.
إن طريق الحرير يقف شاهداً تاريخياً على قدرة الإنسان على الصمود والتعايش المستدام مع الطبيعة، ويوفر الإطار الدولي للأمم المتحدة فرصة حقيقية لحشد التراث الثقافي غير المادي لاستعادة الأراضي، وصون التنوع البيولوجي، وتأمين مستقبل آمن ومستدام لكوكب الأرض.


