كان حمدان ينتظر تلك المكالمة منذ أشهر. كل صباح يفتح هاتفه قبل أن يفتح عينيه بالكامل. يراجع البريد الإلكتروني ثم يعود إلى الرسائل القديمة وكأنه يبحث بينها عن وظيفة اختبأت منه في مكان ما. أرسل سيرته الذاتية مرات كثيرة حتى أصبحت السيرة تعرف طريقها إلى الشركات أكثر مما يعرف حمدان طريقه إليها.
وفي أحد الأيام رن الهاتف. جاءه الصوت الذي انتظره طويلًا: «مبروك حمدان، تم قبولك في الوظيفة».
لم يسأل عن التفاصيل أولًا. لم يسأل عن المسار المهني ولا عن فرص التطور ولا عن المهارات التي سيكتسبها. قال ببساطة: «الحمد لله». ثم اتصل بأهله وأخبرهم بالخبر. أمه فرحت وكأن ابنها عاد من سفر طويل. أبوه ابتسم وقال له الجملة التي يعرفها كل أب: «الحمد لله، الحين استقريت».
كان الجميع يعتقد أن قصة حمدان وصلت إلى نهايتها السعيدة. لكنها في الحقيقة كانت قد بدأت للتو.
في 2025 أعلنت وزارة العمل توفير 51,482 فرصة توظيف وتدريب منها 25,207 فرص في القطاع الخاص. هذه أرقام مهمة وتعكس جهدًا واضحًا في فتح فرص أمام المواطنين. لكن السؤال الذي يجب أن يأتي بعدها ليس فقط: كم شخصًا حصل على وظيفة؟ بل: ماذا حدث له بعد أن حصل عليها؟
لنفترض أن حمدان دخل وظيفته الجديدة بحماس كبير. في الأشهر الأولى كان يتعلم كل شيء. يسأل كثيرًا ويخطئ أحيانًا ويتعلم من أخطائه. ثم بدأ يفهم العمل. وبعد سنة أصبح أكثر كفاءة. وبعد سنتين بدأ يتحمل مسؤوليات أكبر. وبعد خمس سنوات أصبح شخصًا يمكن الاعتماد عليه في القرارات والمشروعات.
هنا حدث شيء أكبر من مجرد توظيف حمدان.
حمدان أصبح أصلًا اقتصاديًا أكثر قيمة.
وهذه هي الفكرة التي كثيرًا ما تضيع عندما نختصر نجاح سوق العمل في كلمة واحدة: «التوظيف».
فالوظيفة ليست نهاية الرحلة. هي أول حلقة في سلسلة تبدأ بـ وظيفة ثم قابلية للتوظيف ثم استمرارية ثم نمو ثم قيمة ثم قيادة.
إذا حصل حمدان على وظيفة ولم يتعلم شيئًا جديدًا فقد حصل على دخل، لكنه لم يرفع قدرته كثيرًا. وإذا تطور واكتسب مهارات جديدة أصبح أكثر قابلية للتوظيف. وإذا ارتفعت إنتاجيته أصبحت قيمته أكبر لشركته. وإذا ارتفعت قيمة حمدان وقيمة زملائه أصبحت الشركة أكثر قدرة على المنافسة.
وهنا يبدأ الاقتصاد في الشعور بالفرق.
الشركة التي لديها موظفون أكثر إنتاجية تستطيع أن تقدم خدمة أفضل أو تنتج بتكلفة أقل أو تدخل سوقًا جديدًا. وعندما تنمو الشركة تحتاج إلى استثمارات جديدة وتخصصات جديدة وموظفين جدد. وهكذا يتحول تطوير حمدان من قرار داخلي صغير إلى جزء من دورة اقتصادية أكبر.
موظف أقوى يعني شركة أقوى. وشركات أقوى تعني اقتصادًا أقوى.
لكن هناك مشكلة.
نحن نعرف أن تطوير حمدان مهم. والمؤسسة تعرف ذلك. والحكومة تعرف ذلك. وحتى حمدان نفسه يعرف أنه يحتاج إلى التطور.
ومع ذلك قد لا يحدث التطور.
وهنا يأتي الاقتصاد السلوكي.
الاقتصاد السلوكي ينطلق من حقيقة بسيطة: الإنسان لا يتخذ قراراته دائمًا بالطريقة المثالية التي تفترضها النماذج الاقتصادية التقليدية.
حمدان قد يقول في بداية السنة: «هذه السنة باتعلم مهارة جديدة». هذه نية ممتازة. لكن بعد انتهاء الدوام يعود إلى البيت متعبًا. لديه التزامات وأصدقاء وهاتف ومئات الأشياء التي تنافس المهارة الجديدة على انتباهه.
إذا كانت المؤسسة تنتظر منه أن يتطور بمفرده فقد تنتظر طويلًا. أما إذا صممت له بيئة تساعده على التطور فالقصة تختلف. يمكن أن تعطيه مهمة جديدة تجبره على استخدام مهارة جديدة. يمكن أن توفر له تدريبًا قصيرًا مرتبطًا بمشكلة حقيقية في العمل. يمكن أن تجعل المدير يقدم له تغذية راجعة منتظمة. ويمكن أن تربط التقدم بمسؤوليات وحوافز واضحة.
هنا لا نقول لحمدان فقط: «طور نفسك».
نحن نصمم البيئة التي تساعد حمدان على التطور.
وهذا أحد أهم تطبيقات الاقتصاد السلوكي في سوق العمل.
خذ مثلًا تأثير الإطار.
إذا كان إطار المؤسسة هو: «كم شخصًا وظفنا هذا العام؟» فسوف يصبح التوظيف هو النجاح.
لكن إذا كان الإطار: «كم شخصًا أصبح أكثر إنتاجية وقيمة بعد التوظيف؟» فسوف يتغير كل شيء.
سيتغير التدريب. وستتغير مؤشرات الأداء. وستتغير مسؤوليات المديرين. وربما حتى طريقة تصميم الوظائف نفسها.
نفس حمدان.
نفس الشركة.
لكن إطار مختلف.
والنتيجة المحتملة مختلفة.
وهنا تظهر فجوة النية والسلوك.
قد نريد جميعًا موظفين أكثر إنتاجية. لكن الرغبة لا تصنع السلوك تلقائيًا. إذا كان النظام يكافئ الأقدمية أكثر من تطوير المهارة فقد يتعلم حمدان أن الانتظار أكثر فائدة من التعلم. وإذا كانت الدورات التدريبية مجرد متطلب إداري ويضع الشهادة في ملف جميل.
لا نحتاج فقط إلى تدريب حمدان فقط. ولكن نحتاج إلى تصميم النظام الذي يجعل تطبيق ما تعلمه جزءًا طبيعيًا من عمله.
وهنا يتحول الاقتصاد السلوكي من نظرية أكاديمية إلى أداة لإدارة الاقتصاد. لأن السؤال لم يعد: كيف نجعل حمدان أكثر حماسًا؟
بل: كيف نصمم البيئة التي تجعل السلوك المنتج أسهل وأكثر استمرارية؟
وهذا مهم على مستوى الاقتصاد العماني كله. إذا طورنا حمدان وحده فلن يتغير الاقتصاد. لكن إذا كررنا التجربة على آلاف ومئات الآلاف من الموظفين فالقصة تصبح مختلفة.
موظفون أكثر مهارة يرفعون الإنتاجية. إنتاجية أعلى ترفع تنافسية الشركات. شركات أكثر تنافسية تجذب الاستثمار وتتوسع. التوسع يخلق وظائف أفضل. الوظائف الأفضل تحتاج مهارات أعلى. وهكذا تبدأ دائرة إيجابية.
توظيف → تطوير → إنتاجية → تنافسية → استثمار → وظائف أفضل → اقتصاد أقوى.
في المقابل وظيفة بلا تطوير قد تعني مهارات ثابتة. مهارات ثابتة قد تعني إنتاجية محدودة. وإنتاجية محدودة تضعف قدرة الشركة على المنافسة. ومع الوقت يصبح الموظف نفسه أكثر اعتمادًا على وظيفته وأقل قدرة على الانتقال إلى فرصة أفضل.
هنا نكون قد نجحنا في خلق وظيفة.
ولهذا يجب أن نعيد تعريف النجاح.
لا يكفي أن نسأل: كم مواطنًا وظفنا؟
نريد أن نعرف: كم واحدًا مثل حمدان أصبح بعد عام أكثر مهارة؟ وبعد ثلاث سنوات أكثر إنتاجية؟ وبعد خمس سنوات أعلى قيمة؟ وبعد عشر سنوات قادرًا على قيادة الآخرين؟
هذه هي النقلة من إدارة التوظيف إلى بناء رأس المال البشري.
فالقوة الاقتصادية لا تأتي فقط من عدد الأشخاص الذين يعملون. تأتي من قدرتهم على خلق قيمة تتزايد مع الزمن. أما إذا بقي كما كان يوم دخلها فقد حصلنا على وظيفة فقط.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل وظفنا حمدان؟
السؤال الأهم هو:
ماذا أصبح حمدان بعد أن وظفناه؟
لأننا إذا أردنا اقتصادًا أقوى فلا يكفي أن نضع الناس داخل الوظائف.علينا أن نجعل الوظائف نفسها أماكن تتضاعف فيها قدرات الناس.
عندها فقط يتحول التوظيف من حل لمشكلة اليوم إلى استثمار في اقتصاد الغد. وعندها لا يصبح حمدان مجرد موظف تم توظيفه. بل يصبح قيمة تتراكم. وقائدًا محتملًا. ورأس مال بشريًا. وجزءًا من قوة اقتصاد كامل.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية للتوظيف.
عبدالله بن محمد العبري
باحث في الاقتصاد السلوكي
۲۱ اغسطس ٢٠٢٦ م


