حين تتحول الخدمة إلى ساحة تمييز: العنصرية في العمل التطوعي تقتل الشغف وتُسقط روح الفريق

نشرت :

بقلم: سميرة أمبوسعيديه

العمل التطوعي ليس ميدانًا لإثبات من يحظى بالدنو من المسؤول، ولا منبرًا لتوزيع الحظوة والمقاعد، ولا ساحةً يُحتفى فيها بالمتزلف ويُوارى فيها المخلص.
فالعمل التطوعي رسالة، وأمانة، ونافذة من نوافذ الخير، وقيمته الحقيقية لا تُقاس بوفرة الصور، ولا بعدد المناصب، ولا بمقدار القرب من أصحاب القرار، وإنما بما يُبذل فيه من صدق، وما يُنجز من عطاء، وما يتركه من أثر.

وحين تتسلل العنصرية والتفرقة والمحسوبية إلى نسيج العمل التطوعي، فإن تبعاتها لا تنحصر في فرد واحد؛ بل تمتد كصدعٍ خفيّ إلى الفريق بأسره، فتقوض الثقة، وتوهن عزائم أصحاب الهمم، وتحرف العمل الذي أُنشئ لخدمة الناس عن غايته، ليغدو ميدانًا يتسابق فيه البعض إلى القرب والظهور، بدل أن يتنافسوا في جودة الإنجاز ونبل العطاء.

الإسلام لا يعرف المحاباة في ميزان العدل

جاءت الشريعة الإسلامية جليةً في إرساء مبدأ العدل، دون اعتبار للون أو الأصل أو المكانة أو القرب من أصحاب المسؤولية.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]

فالميزان عند الله ليس لونًا، ولا قبيلة، ولا اسمًا، ولا منصبًا، ولا دنوًّا من مسؤول؛ وإنما التقوى والعمل الصالح.

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58]

وهذه الآية تضع المسؤول أمام حقيقة لا ينبغي أن يتوارى عنها: المنصب أمانة، والقرار أمانة، وانتقاء الأشخاص أمانة، وتوزيع الفرص أمانة.

وقال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]

فإذا كان الإسلام يأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم، فكيف بمن يعمل معنا في ميدان واحد، ويحمل غايةً واحدة، ويبذل وقته وجهده في خدمة المجتمع؟

التفرقة لا تهمّش شخصًا فقط… بل تهدم إنسانًا من الداخل

قد يتوهم بعض المسؤولين أن إقصاء متطوع أو التغاضي عن جهده أمر يسير، وأن بمقدور المتطوع أن يتحمل أو ينصرف وحسب.

لكن الحقيقة أن التفرقة المتواترة تترك ندوبًا عميقة.

فالمتطوع الذي يبذل بإخلاص، ثم يرى غيره يُقدَّم عليه لا لكفاءةٍ أو استحقاق، وإنما بدافع القرب أو المجاملة أو الإفراط في التزلف، يبدأ في مساءلة نفسه:

هل جهدي لا يُرى؟
هل إخلاصي بلا وزن؟
هل النجاح هنا لمن يُحسن العمل، أم لمن يُحسن بلوغ المسؤول؟

ومع توالي هذه الرسائل، يخبو الحماس، وتتراجع المبادرة، ويشرع صاحب الموهبة في الانسحاب دون ضجيج.

وهنا لا تخسر المؤسسة أو الفريق متطوعًا واحدًا فحسب؛ بل تفقد طاقةً، وخبرةً، وفكرةً، وموهبةً، وثقةً كان يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا.

إن أدهى ما تفعله العنصرية في العمل التطوعي أنها توحي للإنسان المجتهد بأن اجتهاده بلا جدوى، وأن سبيل التقدير لا يمر عبر الإنجاز، وإنما عبر العلاقات.

وهذه بيئة لا تُنبت مبدعين، بل تُراكم المحبطين.

حين يُرفع المتملق ويُخفض المخلص

من المؤسف أن يغدو صاحب العبارات المنمقة أمام المسؤول أكثر شأنًا من صاحب الجهد الحقيقي خلف الكواليس.

هناك من يُتقن الثناء، ويُكثر الحضور في مجالس المسؤولين، ويعرف كيف ينسج لنفسه صورةً براقة، بينما يقابله متطوع آخر يعمل في صمت، يحمل الأعباء، يصل قبل الجميع، وينصرف بعد الجميع، ولا يفتش عن تصفيق أو صورة.

فإذا غدا الأول هو الذي تُفتح له الأبواب وتُمنح له المكانة، بينما أُقصي الثاني؛ فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع بالغة الخطورة:

لا تعمل بإخلاص، بل تعلّم كيف تتقرب.

وهذا انقلاب خطير في مفهوم التطوع.

والأشد خطورة أن يتحول بعض المتزلفين إلى ألسنةٍ تبرر الجور، فيُحسنون تزيين القرارات المختلة، ويمهدون للتمييز، ويهاجمون من يطالب بالإنصاف، خشية أن تتزعزع المكانة التي اكتسبوها.

وقد قال النبي ﷺ:

«الدين النصيحة»
رواه مسلم.

والنصيحة ليست تصفيقًا دائمًا للمسؤول، ولا إقرارًا بكل قرار، ولا صمتًا عن الخطأ.

النصيحة الحقة أن تقول الصواب بأدب، وأن تحول دون الظلم، وأن ترشد المسؤول إلى ما يخدم مصلحة الفريق.

رسالة حازمة إلى كل مسؤول في القطاع التطوعي

إلى كل قائد، وكل مدير، وكل رئيس فريق، وكل صاحب قرار في العمل التطوعي:

اتقوا الله في أناسٍ ائتمنوكم على أوقاتهم وجهودهم.

لا تجعلوا دنوّ شخص منكم مبررًا لمنحه ما لا يستحق، ولا تجعلوا اختلاف شخص معكم ذريعةً لحرمانه مما يستحق.

لا تُجاملوا أحدًا على حساب أحد.

لا ترفعوا شخصًا لكثرة مديحه، ولا تخفضوا آخر لقلة حديثه.

لا تجعلوا معياركم من يُكثر التصفيق، وإنما من يُكثر العمل، ويُحسن الإنجاز، ويلتزم بما عليه، ويخدم الفريق والمستفيدين بإخلاص.

إن المسؤول الذي يملك سلطة الاختيار ثم يسخرها للمحاباة لا يجور على فرد واحد فحسب؛ بل يبعث بإشارةٍ جائرة إلى الفريق بأكمله.

ومن هنا فإن العدل ليس ترفًا إداريًا، بل أمانة شرعية وخلقية.

قال النبي ﷺ:

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
متفق عليه.

فكل مسؤول سيُسأل عن أمانته، وعن قراراته، وعن الأشخاص الذين قدّمهم، وعن أولئك الذين حطمهم الجور أو دفعهم إلى الانسحاب.

وأشد خطرًا: أن تنساق القيادة خوفًا على المقعد

من أخطر صور الخلل أن يدرك المسؤول وجود الجور، ثم يحجم عن التدخل خشيةً على مكانته، أو حفاظًا على منصبه، أو رهبةً من أصحاب النفوذ داخل الفريق.

وهنا تصبح المحافظة على المقعد أسبق من صيانة المبدأ.

وقد يُغلّف البعض ذلك بعبارات مثل:

“لا نريد المشاكل.”
“دع الأمور تمضي.”
“فلان له مكانته.”
“لا نستطيع أن نخسر هؤلاء.”

لكن السؤال الأصدق هو:

وماذا عن الذين خسرناهم بسبب الظلم؟

وماذا عن المتطوع الذي كان يمكن أن يصبح قائدًا متميزًا لكنه انسحب؟
وماذا عن الموهبة التي أخمدتها المحاباة؟
وماذا عن الشاب الذي دخل العمل التطوعي بشغف، ثم خرج منه مقتنعًا بأن النجاح لا يُنال إلا بالواسطة والعلاقات؟

القيادة الحقيقية ليست أن تصون كرسيك بأي ثمن، بل أن تصون نزاهة المكان الذي تجلس عليه.

والقائد العادل قد يخسر تصفيق البعض، لكنه يحظى باحترام الجميع.

العمل الجماعي هو سر الإنجاز

لا يمكن لفريق تطوعي أن ينهض إذا كان أفراده يعملون تحت وطأة المقارنة والتفاوت في المعاملة.

قال الله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة: 2]

فالآية تؤسس لثقافة المؤازرة، لا ثقافة الإقصاء.

وقال سبحانه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103]

والإنجاز الكبير لا يصنعه فرد واحد، مهما أوتي من موهبة.

فالإنجاز الحقيقي تصنعه جماعة يدرك أفرادها أن نجاح زميلهم ليس انتقاصًا منهم، وأن بروز أحدهم لا يعني أفول الآخرين، وأن لكل عضو في الفريق إضافةً قد يعجز غيره عن تقديمها.

وفي الحديث الشريف:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»
متفق عليه.

هذه هي الروح التي يحتاجها العمل التطوعي:

أن يسند القوي الضعيف، وأن يرفع المتميز غيره، وأن يكون انتصار الفريق غايةً تتقدم على انتصار الفرد.

لا تقتلوا المنافسة الشريفة

المشكلة ليست في أن يتقدم شخص على آخر بسبب كفاءته؛ فهذا أمر طبيعي ومحمود.

المشكلة حين يصبح التقدم ثمرةً للمحاباة، وحين يحظى شخص بفرصة لأنه الأقرب، لا لأنه الأجدر، وحين يُحجب عن آخر حقه لأنه لا يُحسن التزلف.

فالعدل لا يعني أن ينال الجميع النتيجة ذاتها، وإنما يعني أن تُتاح للجميع فرصة منصفة، ومعيار معلوم، وتقييم نزيه.

فمن يعمل أكثر، ويقدم أفضل، ويتحمل المسؤولية، ويحقق النتائج؛ فمن الإنصاف أن يُقدَّم.

لكن الخطأ أن يصبح المعيار:

من الأقرب للمسؤول؟
من الأكثر ثناءً؟
من الأكثر حضورًا في المجالس؟
من الذي لا يعترض قط؟

رسالة إلى المتطوع المخلص

إذا كنت تعمل في الظل، ولا تلقى التقدير الذي تراه مستحقًا، فلا تسمح لجور الآخرين أن يبدّل صفاءك.

لا تنقلب إلى متزلف لأنك رأيت المتزلف يُكافأ.

ولا تتخلَّ عن أخلاقك لأنك رأيت غيرك يبلغ غايته بطرائق لا ترضى عنها.

اعمل لله، وصقُل أدواتك، واثبت، وطالب بحقك بالوسائل المشروعة، وكن صوتًا للإنصاف دون أن تتحول إلى صورة أخرى من الظلم الذي ترفضه.

فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في مقعد عابر، ولا في شهادة تقدير، ولا في صورة إلى جوار مسؤول.

القيمة في الأثر.

وقد لا يراك الجميع، لكن الله يرى.

الخاتمة: التطوع الذي نريده لا يرفع الأشخاص… بل يرفع القيم

نحن بحاجة إلى عمل تطوعي لا يكون فيه اللون أو الأصل أو القرب أو العلاقات معيارًا للقبول، ولا يكون فيه التزلف سبيلًا للارتقاء، ولا يكون فيه الصامت المخلص فريسةً لمن يُتقن صناعة الحضور.

نريد قيادةً تعرف أن الأمانة تسبق المجاملة، والعدل يتقدم على العلاقات، والكفاءة تعلو على التملق، والفريق يُقدَّم على الفرد، والرسالة أسمى من المقعد.

ونريد متطوعين يؤمنون بأن نجاحهم الحقيقي ليس في أن يعلوا على غيرهم، وإنما في أن ينهضوا مع غيرهم.

فالتفرقة قد تُنشئ فريقًا يبدو متماسكًا في الصور، لكنها تُخفي في داخله قلوبًا مثقلة، ومواهب صامتة، وطموحات أُجهضت.

أما العدل، فإنه يُنشئ الثقة.

والثقة تُنبت الانتماء.

والانتماء يستدعي العطاء.

والعطاء حين يتآلف داخل فريق واحد يصنع إنجازًا يعجز الفرد، مهما بلغت قدرته، عن صناعته منفردًا.

فلا تجعلوا العمل التطوعي مكانًا يُكافأ فيه من يُحسن التملق، ويُوارى فيه من يُحسن العمل.

ولا تجعلوا المقعد أثمن من المبدأ.

فالمنصب عابر، والاسم قد تطويه الذاكرة، أما الأثر الذي شُيّد على العدل والإخلاص، فذلك هو الذي يبقى.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img