ما وراء المشهد
الإشارة الرمادية الأخيرة… د. سيف الدين إبراهيم حولي
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي | مستشار تعليم وتدريب
هناك أشخاص لا تحتاج إلى سنوات طويلة كي تعرف معدنهم. يكفي أن تلتقيهم مرة، ثم تكتشف بعد ذلك أن حضورهم ترك في النفس شيئًا لا يزول .
كان الدكتور سيف الدين إبراهيم واحدًا من هؤلاء.
رحل سيف الدين في تبوك بالمملكة العربية السعودية، تاركًا وراءه سيرة امتدت أكثر من ستة عقود؛ سيرة رجل جمع بين التربية والعلم والعمل الاجتماعي، وبين الجدية في المواقف وروح الدعابة التي جعلت مجلسه أقرب إلى القلب .
وُلد عام 1958م في الكومة، بحي أردم في شمال دارفور، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والرأي. كان والده من حكماء ومشايخ الكومة وأهل المشورة، وهي بيئة يبدو أنها تركت في أبنائها شيئًا من القدرة على التعامل مع الناس والاستماع إليهم .
وكان التعليم حاضرًا بقوة في الأسرة، إلى جانب اهتمام أبنائها باللغة الإنجليزية. ومن إخوته الدكتور علي، الذي يعمل في مستشفى إبراء سلطنة عمان محافظة الشرقية ، والمهندس شمس الدين، والمحامي ناصر والأستاذ محمد احمد ، .
أما سيف الدين، فقد أخذ طريقه من ابتدائية الكومة إلى ثانوية الفاشر، ثم جامعة وادي النيل بعطبرة، قبل أن تمتد رحلته إلى اليمن، ثم إلى سلطنة عمان، حيث واصل مسيرته الأكاديمية حتى نال الدكتوراه وهو أستاذ للغة الإنجليزية في الجامعة العربية المفتوحة، قبل أن تنتهي محطاته المهنية في جامعة تبوك .
لكن هذه السيرة الأكاديمية، على أهميتها، ليست أكثر ما أتذكره فيه
سيف الدين كان أكبر مني سنًا، ولم ننشأ معًا في المكان نفسه، ولذلك لم تكن بيننا صحبة الطفولة التي تجمع أبناء الحي الواحد. ومع ذلك، كان من النوع الذي يسقط المسافات سريعًا.
من أول لقاء، تشعر أنك تعرفه منذ زمن .
ولعل هذه واحدة من أجمل صفات الإنسان الاجتماعي الحقيقي: أن يجعلك تشعر بالألفة دون تكلف، وأن يكون حضوره مريحًا دون أن يحاول أن يثبت شيئًا .
ورغم أن سنوات الاغتراب أبعدته عن الكومة، فإنه لم يبتعد عنها وجدانيًا .
كان دائم الزيارة والتواصل والتفقد، حاضرًا في قضايا أهله ومجتمعه، يتابع ما يحدث، ويقدم الرأي والمشورة حين يحتاج الناس إليه. لم يكن انتماؤه إلى المكان مجرد عنوان في شهادة الميلاد؛ كان علاقة مستمرة بالناس والذاكرة والأهل .
ومن هنا نفهم جانبًا آخر من شخصيته .
فهو لم يكن أكاديميًا يعيش داخل الكتب فقط. كان يرى العلم مسؤولية اجتماعية، ولذلك ارتبط اسمه انه من المعلمين الأوائل الذين درسوا في مدرسة ” أبو قو “، عند تأسيسها ، كما ارتبط بالرياضة والشباب والاعلام من خلال تأسيس ” نادي الحي الشمالي أردم ” أيام شبابه الزاهر .
مدرسة ونادٍ .
وكأن الرجل كان يرى أن بناء الإنسان يبدأ من جهتين متكاملتين
التعليم، ثم المساحة التي يجد فيها الشباب أنفسهم
لكنني أعود إلى آخر تواصل بيننا، لأنه حمل مفارقة لا أستطيع تجاوزها .
قبل رحيله بأسبوع تقريبًا، دار بيني وبينه حديث نصحني خلاله بالسفر إلى أوروبا أو كندا لأجل واقع افضل . وكان حديثه يحمل ذلك القدر من الاهتمام الذي عرفته فيه تجاه الآخرين .
وفي الوقت نفسه أرسل لي نصًا مختصراُ به بعض التفاصيل عن تاريخ السودان
كانت المصادفة لافتة؛ كنت وقتها منشغلًا بإعداد سلسلة ” السودان الذي يجمعنا “، أحاول فيها تتبع جذور تشكل الدولة السودانية وأزماتها، وكان هو يرسل لي مادة عن التاريخ نفسه
أخبرته بالمصادفة وقلت له المادة فيها تواريخ من تفاصيل وسوف ارسل لك المادة عند النشر ..
ولما نشرت الحلقة الأولى، كان هو أول من أرسلت إليه المقال
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه .
في تمام الواحدة وخمسة وعشرون ظهرًا بتوقيت مكة المكرمة، ظهرت على شاشة الهاتف إشارة الاستلام الرمادية .
وصلت الرسالة
لكن لم يصل الرد
قلت ربما هو مشغول، وربما سيرد لاحقً.
وفي تمام الحادية عشرة ليلًا من اليوم نفسه، علمت بالخبر
سيف الدين رحل
منذ ذلك اليوم، لم تعد الإشارة الرمادية بالنسبة إلي مجرد علامة على شاشة هاتف .
أصبحت آخر أثر صامت بيني وبينه؛ رسالة وصلت إلى رجل لم يمهله الوقت ليكتب كلمته الأخيرة .
رحل الدكتور سيف الدين إبراهيم، لكن الذين عرفوه يعرفون أن الإنسان لا يُقاس بعدد سنوات بقائه، وإنما بما يتركه في الناس
ترك أسرة ورفيقة درب هي الأستاذة أميمة موسى زريبة، وأبناءً وبنات حملوا العلم والتخصصات المختلفة، وترك في الكومة وأردم وام درمان وكردفان وعمان وأماكن أخرى ذاكرة رجل ظل قريبًا من أهله رغم طول الغياب .
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله عن بعض الناس بعد رحيلهم ليس أنهم كانوا علماء، أو أصحاب شهادات، أو شغلوا مواقع مهمة
بل أن نقول ببساطة :
كانوا يحبون الناس… وكان الناس يحبونهم.
وهذه في زمن كثرت فيه المسافات بين البشر، ليست صفة صغيرة
أما تلك الإشارة الرمادية التي ظهرت على شاشة هاتفي في الواحدة وخمسة وعشرون ظهرًا، فسأظل أراها بطريقة مختلفة.
كانت رسالة وصلت إلى سيف الدين
وكانت آخر رسالة لم تجد وقتًا كي يصل منها إلينا شيء
رحم الله د. سيف الدين إبراهيم، وألهم أسرته وأهله ومحبيه الصبر
بعض الراحلين لا يغيبون تمامًا؛ لأنهم يتركون في ذاكرة الناس شيئًا يشبه الضوء.


