الفلج العُماني… هل نصون الماء أم نصون حضارة؟

نشرت :

ما وراء المشهد

الفلج العُماني… هل نصون الماء أم نصون حضارة؟

د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب

كيف استطاع الإنسان العُماني أن يصنع طريقًا للماء في أرضٍ قاسية، وأن يحوّل شحّه إلى حياة، ثم يحافظ على هذه الهندسة عبر قرون طويلة؟

قد يبدو السؤال بعيدًا عن خبر توقيع 49 اتفاقية لإعادة تأهيل وصيانة 64 فلجًا متأثرًا بالحالة الجوية في محافظة شمال الباطنة، بقيمة تتجاوز مليونًا ومائة واثنين وتسعين ألف ريال عُماني الذي أوردته  صحية اليوم نقلاً من الوكالة العمانية للأنباء.

لكنني، حين قرأت الخبر، لم أرَ رقمًا في مشروع صيانة.

رأيت الفلج .

ورأيت معه مشاهد عشتها بنفسي في محافظة  ظفار.

كنت أعمل معلمًا للدراسات الاجتماعية، وأتنقل بين صلالة وأضبيوت وطوي عتير وجيلوب. وهناك لم تعد الأفلاج بالنسبة لي موضوعًا دراسيًا أشرحه للطلاب من صفحات الكتاب؛ رأيتها في بيئتها، وسط تضاريس صعبة، حيث لا يبدو أن الماء يمكن أن يجد طريقًا سهلًا .

وقفت أمام تلك الهندسة بشيء من الدهشة والإعجاب

لم تكن دهشتي من الماء وهو يجري في قناة، وإنما من العقل الذي اكتشف له طريقًا .

إنسان لم تكن بين يديه التقنيات والمعدات التي نملكها اليوم، لكنه امتلك ما لا يقل أهمية عنها: الملاحظة، والخبرة، والصبر، والمعرفة المتراكمة .

حفر، وقاس، وحدد المسار، واستفاد من طبيعة الأرض وانحدارها، ثم جعل الماء يمضي في طريقه .

وهنا تكمن عبقرية الفلج ,

لم يحاول الإنسان العُماني أن يهزم الطبيعة بالقوة؛ بل فهمها وتكيّف معها، وجعل خصائصها تعمل لصالحه .

فالجبل لم يعد عائقًا فقط، والانحدار لم يعد مشكلة، وشح الماء لم يعد حكمًا نهائيًا على الإنسان. تحولت هذه العناصر إلى أجزاء من منظومة جعلت الحياة والزراعة والاستقرار ممكنة.

ولهذا فإن الفلج، في جوهره، ليس مجرد قناة مائية .

إنه فلسفة في إدارة الندرة.

بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك :

فالفلج لم يكن اختراعًا للماء فقط؛ كان اختراعًا لطريقة العيش مع الماء .

وحين يكون الماء قليلًا، لا يكفي أن تعرف كيف تحصل عليه؛ بل تحتاج أيضًا إلى أن تعرف كيف توزعه. ومن هنا ارتبطت الأفلاج بمنظومة اجتماعية لتنظيم حصص المياه ومواقيتها، وبالزراعة والعمران واستقرار المجتمعات.

أي أن الماء لم يكن يجري في الفلج وحده .

كانت معه تجري قواعد المجتمع أيضًا .

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل تجربة الأفلاج جديرة بالتأمل اليوم .

فاليونسكو، التي أدرجت «أنظمة ري الأفلاج في عُمان» على قائمة التراث العالمي عام 2006، لا تقدمها بوصفها مجرد منشآت مائية قديمة، وإنما باعتبارها منظومة تجمع بين التقنية التقليدية، وإدارة المياه، والزراعة، والاستقرار البشري والقيم المجتمعية. وتشير إلى أن نحو ثلاثة آلاف نظام من أنظمة الأفلاج ما زالت تعمل في عُمان، وأن توزيع المياه بالوقت والمشاركة المجتمعية في إدارتها ما زالا جزءًا من هذا التراث الحي .

وهنا تكمن المفارقة الجميلة :

كيف استطاع نظام قديم أن يبقى حيًا في زمن التحلية والشبكات الحديثة؟

الإجابة ربما لا تكمن في التقنية وحدها، وإنما في أن المجتمع لم يتعامل معه بوصفه أثرًا من الماضي.

لقد ظل الفلج مرتبطًا بالماء والزراعة والمكان والناس.

ولهذا فإن صيانته ليست مجرد إصلاح قناة تضررت.

إنها صيانة لعلاقة كاملة بين الإنسان والمورد والمجتمع.

وليس نظام الأفلاج فكرة معزولة عن العالم؛ فقد عرفت مناطق أخرى في البيئات الجافة نظمًا للري تعتمد على المياه الجوفية والقنوات والجاذبية. لكن خصوصية التجربة العُمانية لا تكمن في وجود الفكرة وحدها، وإنما في استمرارها بوصفها منظومة حية ارتبطت بالمجتمع والزراعة والعمران والهوية .

وهنا نصل إلى السؤال الذي يهمنا اليوم :

لماذا ننفق على صيانة الأفلاج في عصر محطات التحلية وشبكات المياه الحديثة؟

لأن القضية ليست ماءً فقط

فالمبلغ المعلن لإعادة تأهيل 64 فلجًا في شمال الباطنة ليس ثمنًا لقنوات من الحجارة والتراب فحسب؛ إنه إنفاق على مورد مائي، وعلى الزراعة، وعلى استدامة مجتمعات محلية، وعلى معرفة تاريخية لا ينبغي أن تنقطع .

والأهم أن الحفاظ على الفلج يعني الحفاظ على المعرفة التي أنتجته .

فالتراث الحقيقي ليس حجرًا نضع حوله لوحة تعريفية ونقول: ” هنا كان الأجداد “

التراث الحقيقي هو الذي نستطيع أن نفهم منه كيف فكر الأجداد.

والفلج يعلمنا درسًا يتجاوز الماضي: مواجهة ندرة الموارد لا تبدأ دائمًا بتقنية أكثر تعقيدًا، وإنما قد تبدأ بفهم أفضل للطبيعة، وإدارة أكثر كفاءة للمورد، وتعاون حقيقي بين أفراد المجتمع .

وفي زمن تتزايد فيه المخاوف حول المياه والتغير المناخي والاستدامة، تقدم الأفلاج تجربة تستحق التأمل :

كيف يستطيع مجتمع أن يبني نظامًا مائيًا في بيئة صعبة، وأن يحافظ عليه عبر أجيال، ثم يطوره دون أن يفقد روحه؟

لهذا لا ينبغي أن نرى الفلج باعتباره مجرد معلم سياحي جميل، ولا مجرد صفحة في كتاب التاريخ، ولا مجرد قناة ينبغي إصلاحها عندما تتضرر .

إنه معلم ثقافي وحضاري وتاريخي حي .

وحين كنت أقف أمام الأفلاج في محافظة  ظفار، كنت أرى شيئًا أكبر من الماء

كنت أرى الإنسان وهو يحول الحاجة إلى ابتكار، والقسوة إلى إمكانية، والندرة إلى استقرار .

وربما لهذا السبب لم تكن دهشتي من الفلج نفسه، بقدر ما كانت من الإنسان الذي صنعه .

فكم من مجتمع واجه قسوة الطبيعة وشح الماء، لكن القليل من التجارب استطاع أن يحول هذه الحاجة إلى نظام ظل حاضرًا في حياة الناس عبر قرون .

لذلك، عندما نسمع اليوم عن إنفاق أكثر من مليون ريال عُماني على إعادة تأهيل الأفلاج، ربما ينبغي ألا نسأل فقط.

كم كلفت صيانتها؟

بل نسأل سؤالًا أكبر : . كم تساوي حضارة استطاعت أن تجعل من قطرة الماء طريقًا إلى الحياة؟

وربما يكون السؤال الأهم :

حين نصون الفلج اليوم… ألسنا في الحقيقة نصون جزءًا من الذاكرة التي صنعت الإنسان العُماني وقدرته على الحياة؟

وهل آن الأوان لأن ننتقل بالفلج من كونه تراثًا نحافظ عليه

إلى حضارة نعرّف العالم بها؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img