حين يمرّ الوقت فينا..تأمل في الزمن، والوعي، وما الذي نفعله بالحياة

نشرت :

بقلم: أحمد الحضرمي

هناك تجربة غريبة تحدث لنا جميعًا، حتى إننا لم نعد نلاحظ غرابتها.

خمس دقائق قد تكون طويلة إلى حد لا يُحتمل.

وخمس دقائق أخرى قد تختفي دون أن نشعر بها.

ننتظر اتصالًا فنراقب الساعة.

نجلس مع من نحب، فننسى وجودها.

نمرض، فيصبح اليوم طويلًا.

نسافر، فتنتهي الأيام قبل أن نعرف كيف بدأت.

نعود إلى صورة قديمة، فنكتشف أن سنوات كاملة كانت هناك، في وجه طفل، في شارع، في بيت، في صوت لم نعد نسمعه.

ثم نسأل أنفسنا:

أين ذهب كل ذلك الوقت؟

لكن ربما يكون السؤال نفسه خاطئًا.

فالوقت لم يذهب إلى مكان.

نحن الذين ذهبنا.

نقول عادة: مرّ الوقت.

لكن ماذا يعني «مرّ»؟

هل هناك شيء اسمه الوقت يجري فعلًا، ونحن واقفون على ضفته؟

أم أننا نحن الذين نتغير باستمرار، ثم نسمي مقدار التغير الذي لا نستطيع إيقافه: الزمن؟

لو توقف كل شيء في الكون، هل سيبقى للوقت معنى؟

ولو لم توجد ذاكرة، هل سيكون للماضي وجود بالنسبة إلى أحد؟

ولو لم يوجد مستقبل نتخيله، فهل كان للحاضر ذلك الثقل الذي نعطيه إياه؟

هذه ليست أسئلة لغوية.

إنها تذهب إلى شيء أكثر غرابة:

ما الذي يجعل اللحظة لحظة؟

ولماذا لا نستطيع الإمساك بها؟

هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذه الجملة كانت حاضرًا قبل أن تنتهي منها.

وحين تنتهي، لن تكون حاضرًا بعد الآن.

لقد تحولت إلى شيء لا يمكنك استعادته.

نحن إذن نعيش بطريقة عجيبة:

نحن لا نملك الحاضر إلا بقدر ما نفقده.

ربما لهذا يبدو الإنسان كائنًا ممزقًا بين ثلاثة أزمنة.

جسد يعيش الآن.

وعقل يعود إلى هناك.

وخيال يذهب إلى هناك.

قد يجلس الإنسان على كرسي في غرفة واحدة، بينما يعيش في ثلاثة أماكن في اللحظة نفسها:

يتذكر ما حدث بالأمس.

يفكر فيما سيحدث غدًا.

وينسى ما يحدث الآن.

وقد تمر عليه حياته بهذه الطريقة.

يصل إلى المكان ولا يكون فيه.

يتحدث مع إنسان ولا يسمعه.

يأكل دون أن يتذوق.

يمشي دون أن يرى الطريق.

يعيش اليوم وهو ينتظر غدًا.

ثم يأتي الغد، فينتظره من جديد.

إلى أن يكتشف ذات يوم أن حياته لم تكن تنقصها الأيام.

كانت تنقصها الحضور.

لكن لماذا يتعلق الإنسان بالماضي أصلًا؟

ربما لأن الماضي، رغم أنه انتهى، هو الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نروي أنفسنا من خلاله.

نقول:

كنت هكذا.

حدث لي هذا.

أحببت ذلك.

خسرت هذا.

نجحت هنا.

فشلت هناك.

ثم نصنع من هذه الأشياء قصة.

نسميها:

أنا.

لكن هناك سؤالًا مزعجًا:

إذا كان الإنسان يتغير، فأي نسخة منه هي «أنا»؟

الطفل الذي كنتَه؟

الشاب الذي كنتَه؟

الشخص الذي أنت عليه الآن؟

أم أن «أنا» ليست شخصًا ثابتًا أصلًا، بل قصة مستمرة نعيد كتابتها كلما تقدم بنا الزمن؟

ولعل هذا يفسر شيئًا غريبًا في الذاكرة.

نحن لا نتذكر الماضي كما حدث تمامًا.

نحن نتذكره كما أصبح فينا.

قد تتغير دلالة حدث واحد مع مرور السنوات.

شيء كنت تراه ظلمًا قد تراه درسًا.

وشخص كنت تراه نهاية العالم قد يصبح مجرد فصل.

وخطأ كنت تخجل منه قد يصبح، بعد سنوات، أكثر الأشياء التي علمتك.

فالزمن لا يغيّر الأحداث.

يغيّر علاقتنا بها.

وهنا يحدث شيء جميل.

نحن نريد عادة أن ننسى الأشياء المؤلمة.

لكن ربما ليست كل وظيفة الذاكرة أن تحفظ الألم.

ربما وظيفتها أن تسمح لنا يومًا بأن نراه من مسافة لم تكن متاحة لنا عندما حدث.

الطفل لا يستطيع أن يفهم كل ما يحدث له.

والشاب لا يرى دائمًا ما يفعله الزمن به.

لكن الإنسان بعد سنوات قد ينظر إلى نفسه القديمة بعين مختلفة.

لا لأنه أصبح أذكى بالضرورة.

بل لأنه أصبح أبعد.

وأحيانًا تكون المسافة نوعًا من المعرفة.

ثم يأتي المستقبل، ويرتكب العقل حيلته الأخرى: يخاف من أشياء لم تحدث بعد، بنفس الجدّية التي يخاف بها مما حدث فعلًا.

كم من الليالي أعددنا فيها لخصومة لم تقع؟

كم من الكلام الذي تدربنا على قوله لموقف لم نُدعَ إليه أصلًا؟

وكم من الأشياء التي حدثت فجأة، بينما كنا منشغلين بالاستعداد لغيرها؟

الخوف والأمل، في النهاية، وجهان لعلاقة واحدة مع ما لم يحدث بعد: نخاف أن يكون الغد سيئًا، ونأمل أن يكون جميلًا، وفي الحالتين نحن نعيش شيئًا غير موجود بعد، وننفق عليه وقتًا موجودًا فعلًا.

لكن هناك مفارقة أكبر.

نحن نريد المستقبل، ثم حين يصل يصبح حاضرًا، والحاضر لا يبقى.

أي أننا نقضي جزءًا من حياتنا في انتظار الشيء الذي لن نملكه بالطريقة التي تخيلناها.

نريد أن ننتهي من الدراسة كي نرتاح.

نحصل على الوظيفة كي نستقر.

نتزوج كي تبدأ الحياة.

نحقق النجاح كي نشعر أننا وصلنا.

ثم يصل كل شيء.

وبهدوء شديد

يصبح ما انتظرناه جزءًا من اليوم العادي.

ثم يبدأ انتظار جديد.

فهل المشكلة أن الإنسان لا يحصل على ما يريد؟

أم أن الإنسان اعتاد أن يجعل الحياة دائمًا في مكان آخر؟

وربما لهذا يكون الملل، حين نتأمله جيدًا، أعقد مما نظن.

فهو ليس دائمًا غياب الأشياء من حولنا.

أحيانًا يكون وجودها كاملة، بينما غاب عنها شيء فينا.

الغرفة نفسها ما زالت هناك.

والعمل نفسه.

والوجه نفسه، بكل تفاصيله التي حفظناها عن ظهر قلب.

لكن شيئًا فينا توقف عن رؤيتها.

فنذهب نبحث في الخارج عمّا نفتقده في الداخل: مكان جديد، خبر جديد، شاشة أخرى تُفتح قبل أن تُغلق التي قبلها.

وقد نكتشف، متأخرين، أن المشكلة لم تكن في ما ننظر إليه.

بل في أننا توقفنا عن النظر أصلًا.

هناك مشهد بسيط قد يقول أكثر مما تقوله كل هذه الأسئلة.

جدّتك، حين كانت تعجن الخبز، لم تكن تنظر إلى ساعتها لترى كم بقي من العمر.

كانت غارقة في يديها، في رائحة الطحين، في حرارة الموقد.

لم تكن تعيش تلك اللحظة لأنها تعرف نظرية عن الحضور.

كانت تعيشها لأن يديها كانتا مشغولتين بشيء حقيقي أمامها، لا بشيء متخيَّل في مكان آخر.

ربما هذه هي الفكرة كلها: أن أكثر اللحظات امتلاءً ليست تلك التي نفكر فيها في الحضور، بل تلك التي ننسى فيها أن نسأل أين نحن، لأننا هناك فعلًا.

ثم يأتي الموت.

ولا أريد أن نجعله خاتمة حزينة.

الموت هو ربما أكثر ما يجعل الزمن واضحًا.

لأننا لو كنا خالدين، فقد لا تكون للحظة قيمة بالطريقة نفسها.

قيمة الشيء لا تأتي دائمًا من وفرته.

أحيانًا تأتي من محدوديته.

الكتاب الذي تعرف أن له صفحة أخيرة تقرأه بطريقة مختلفة.

اللقاء الذي تعرف أنه سينتهي تصغي إليه بطريقة مختلفة.

والحياة التي تعرف أن لها نهاية

تبدأ في الظهور كشيء ثمين.

ليس لأن الموت جميل.

بل لأن النهاية تجعل البداية قابلة للفهم.

فماذا نفعل إذن بهذا الوقت؟

ربما السؤال ليس:

كيف أستثمر وقتي؟

هذه لغة السوق.

ولا:

كيف أصبح أكثر إنتاجية؟

هذه لغة الإنجاز.

ولا حتى:

كيف أعيش أطول؟

فالسؤال الأعمق ربما هو:

كيف أكون حاضرًا في الحياة التي لدي، بدل أن أقضيها في التفاوض مع حياة أخرى أتخيلها؟

قد يكون هناك عمل لم ننجزه.

وحلم لم يتحقق.

وشخص لم نصل إليه.

وأشياء كثيرة لم تأتِ بعد.

لكن هذه اللحظة لا تنتظر اكتمالنا.

إنها تأتي ناقصة.

ثم تذهب.

مثل كل شيء.

ربما لا نحتاج إلى أن ننتصر على الزمن.

ولا نستطيع.

ولا نحتاج إلى أن نفهمه بالكامل.

قد يكون الزمن من تلك الأشياء التي لا تُحل، بل تُعاش.

نحن نولد داخله.

نتغير فيه.

نحب فيه.

نفقد فيه.

نتذكر.

ننسى.

نكبر.

ثم نتركه.

لكن بين البداية والنهاية هناك شيء لا يستطيع أحد أن يعيشه بدلًا عنا:

هذه اللحظة.

هذه الجملة التي وصلت إليها الآن.

لن تعود.

ليس لأنها مهمة تاريخيًا.

ولا لأنها لحظة عظيمة.

بل لأنها حدثت مرة واحدة.

وهذا يكفي.

لذلك ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا ليس:

كم بقي لي؟

بل:

ماذا أفعل باللحظة التي بين يدي الآن؟

ثم نصمت قليلًا.

لأن اللحظة، في الحقيقة، لا تحتاج منا إلى جواب طويل.

إنها تحتاج فقط

أن نكون فيها.

وربما، في النهاية، لا يكون الزمن هو الذي يعلّمنا كيف نعيش.

بل الحياة نفسها.

نفتح أعيننا.

نخسر.

نحب.

نفشل.

نبدأ من جديد.

نرى الذين كانوا معنا يغادرون.

ونرى الذين لم يكونوا موجودين يأتون.

ثم نفهم شيئًا متأخرًا:

لم تكن الحياة تنتظر أن نفهمها حتى تبدأ.

لقد كانت تحدث طوال الوقت.

وأحيانًا، كل ما كان ينقصنا

أن ننتبه.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img