السودان الذي يجمعنا (2)

نشرت :

ما وراء المشهد

السودان الذي يجمعنا (2)

الأرض قبل الدولة (1)… هل كانت ملكًا للقبيلة؟

د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب

حين نقول اليوم: «هذه أرض فلان»، أو «هذه ديار القبيلة الفلانية»، تبدو العبارة واضحة ومباشرة. لكن إذا عدنا إلى التاريخ، سنكتشف أن علاقة السوداني بالأرض كانت أكثر تعقيدًا بكثير من مفهوم الملكية الذي نعرفه اليوم .

في العمود السابق رأينا أن الدولة السودانية الحديثة تشكلت فوق جغرافيا عرفت ممالك وسلطنات ومجتمعات متعددة. وإذا لم تكن الدولة واحدة، فهل كانت الأرض أيضًا تخضع لنظام واحد؟

بالتأكيد: لا .

لم تكن هناك قاعدة واحدة تحكم كل السودان؛ إذ اختلفت العلاقة بالأرض باختلاف البيئة وطريقة الإنتاج والنظام السياسي. فالأراضي الزراعية المستقرة على ضفاف النيل، أو في مناطق الفيض والزراعة المطرية، فرضت أشكالًا من الحيازة الفردية أو الأسرية شبه الدائمة، بينما فرضت المراعي المفتوحة ومسارات الرعي حقوق انتفاع جماعية ومرنة .

ومن ثم، لم يكن حق المزارع بالضرورة هو حق الراعي، كما اختلفت النظم من منطقة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر.

والأهم أن مفهوم  “ملكية الأرض ” نفسه لم يكن بالضرورة هو المفهوم الذي نعرفه اليوم

ففي السودان القديم نفسه توجد شواهد على أن العلاقة بالأرض لم تكن مجرد علاقة جماعية بسيطة. ففي مناطق الممالك النوبية، تكشف الوثائق عن معاملات مرتبطة بالأرض والحيازة والإرث، بما يعكس وجود صور مختلفة من الحقوق والتصرف فيها.

وفي الممالك والسلطنات التي ظهرت لاحقًا، أصبحت العلاقة بالأرض أكثر ارتباطًا ببنية السلطة والمجتمع .

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الملكية والحيازة والانتفاع والسيادة

فقد وجدت حقوق للأفراد والأسر والجماعات، وحقوق انتفاع بالأرض، وحقوق ارتبطت بالسلطة السياسية، وأخرى ارتبطت بالزراعة أو الرعي. وكانت الأعراف والسلطات المحلية تؤدي أدوارًا مهمة في تحديد من ينتفع بالأرض، وكيف ينتفع بها، ومن يفصل في النزاع .

ولهذا، فإن القول إن : ” الأرض كانت ملكًا للقبيلة ” »

قد يصف جانبًا من الصورة في بعض المناطق، لكنه لا يفسر تاريخ الأرض السودانية كله .

وهنا تبرز أهمية أعمال المؤرخ السوداني محمد إبراهيم أبو سليم، الذي أسهم، من خلال جمع وتحقيق ونشر الوثائق التاريخية، في إضاءة جوانب مهمة من تاريخ الأرض في الفونج ودارفور، وفي الكشف عن العلاقة بين السلطة والأرض والجباية والحقوق

ففي سلطنة الفونج، تكشف الوثائق التي درسها أبو سليم عن وجود منح وحقوق مرتبطة بالسلطة، بما يؤكد أن علاقة الأرض بالسلطان والمكوك والشيوخ لم تكن مجرد روايات متأخرة، بل ارتبطت بوثائق مدونة تعكس جوانب من الجباية والحقوق والمنح

وفي بعض الحالات، كانت الأرض أو حقوق الانتفاع بها تُمنح لأشخاص أو زعامات أو جهات ذات مكانة دينية واجتماعية، وتترتب على هذه المنح حقوق وواجبات تختلف بحسب طبيعة المنحة وموقعها  بوصفها أحد المفاهيم الأساسية .

أما في دارفور، فتبرز  “الحاكورة” لفهم العلاقة التاريخية بالأرض. ولم تكن الحاكورة مجرد قطعة أرض بالمفهوم العقاري الحديث، بل ارتبطت، في صورها التاريخية المختلفة، بمنح سلطانية ذات أبعاد إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية، وقد ترتبط بحقوق الانتفاع والجباية وإدارة الموارد والعلاقات داخل المجال الذي تشملُه .

وفي المقابل، عرفت مناطق مختلفة من السودان ما أصبح متداولًا في العرف الشعبي بعبارة    الديار “ فنقول: ديار قبيلة كذا، أو دار قبيلة كذا .

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا :

فالدار ليست بالضرورة مرادفًا للحاكورة؛ إذ تعبر في الاستخدام الاجتماعي والتاريخي عن نطاق جغرافي ارتبط باستقرار جماعة أو قبيلة، وبعلاقاتها بالأرض والماء والمراعي والزراعة، وبذاكرة اجتماعية تشكلت عبر أجيال .

ولذلك لا ينبغي أن نفهم عبارة ” ديار القبيلة ” تلقائيًا باعتبارها سند ملكية عقارية بالمفهوم القانوني الحديث .

والأهم أن هذه النظم لم تكن مغلقة دائمًا .

فمع الهجرات العربية وغيرها، دخلت جماعات جديدة إلى مناطق مختلفة من السودان، واستقرت مجموعات في أراضٍ جديدة، ومُنحت أحيانًا حقوق في الأرض أو الانتفاع بها، أو جرى إدماجها داخل نظم السلطة المحلية، مقابل التزامات سياسية أو اجتماعية أو مالية .

كما ارتبطت بعض المنح برجال الدين والزعامات والجماعات التي كان لاستقرارها أدوار دينية أو سياسية أو أمنية .

وهنا تصبح الأرض أكثر من مجرد تراب نعيش فوقه

إنها وسيلة للاستقرار، وأداة لبناء التحالفات، ومورد للجباية، ووسيلة لتنظيم المجتمع وتثبيت السلطة .

ولهذا نجد في الوثائق التاريخية إشارات إلى المنح والوسائم والعهود والحقوق والجبايات، وهي مادة أساسية تساعدنا على تفكيك العلاقة المركبة بين السلطة والمجتمع والأرض عبر القرون.

لكن السؤال الأهم ليس : من كان “يمتلك” الأرض فقط؟

بل :

من كان يمنح الحق فيها؟ ومن ينتفع بها؟ ومن يحمي هذا الحق؟ ومن يدفع مقابله؟ ومن يفصل في النزاع؟

في المجتمعات الزراعية، كان الحق في الأرض يرتبط بالإنتاج والاستقرار. وفي المجتمعات الرعوية، كانت الأرض تعني كذلك المراعي والمياه ومسارات الحركة الموسمية .

ولهذا لم يكن من الضروري أن يكون حق الزراعة هو نفسه حق الرعي، أو أن يكون الانتفاع بالأرض مساويًا لملكيتها .

وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم السودان .

فكثير من العلاقات التي نشأت حول الأرض لم تكن مكتوبة في سجل عقاري، لكنها كانت معروفة داخل المجتمع، وتحميها الأعراف والسلطات المحلية والذاكرة الاجتماعية .

ولذلك، عندما يقول السوداني اليوم  ” :هذه ديارنا فهو قد يتحدث عن تاريخ طويل من الاستقرار والانتفاع والعلاقة بالمكان، لا عن مفهوم الملكية العقارية وحده

لكن هل كان هذا النظام عادلًا دائمًا؟

بالطبع لا

فالنظم القديمة نفسها كانت تحمل تفاوتاتها وصراعاتها، وكانت السلطة تمنح وتحجب، وكانت هناك جماعات أقوى من أخرى. كما أن الحقوق التاريخية ليست كلها بالضرورة حقوقًا قانونية بالمعنى الحديث، ولا ينبغي أن تتحول الذاكرة وحدها إلى معيار نهائي للملكية.

لكن تجاهل هذه النظم لا يساعدنا على فهم الحاضر.

لأن الدولة الحديثة، عندما جاءت، لم تدخل إلى أرض بلا تاريخ

دخلت إلى مجتمع يحمل ديارًا وحواكير وحقوق انتفاع وأعرافًا ومسارات للرعي وعلاقات متراكمة بالسلطة والمكان.

فلم تكن الأرض وقتها كانت  صفحة بيضاء تنتظر قانونًا يكتب عليها

وهنا بدأ واحد من أكثر التحولات أهمية في تاريخ السودان :

ماذا يحدث عندما تنتقل الأرض من نظم محلية متعددة تعرفها المجتمعات وتحكمها الأعراف، إلى دولة مركزية تريد أن تجعل القانون والسجل والإدارة هي المرجع الأعلى؟

هل استطاعت الدولة أن تجمع هذه الحقوق المختلفة في نظام عادل؟

أم أن الانتقال من العرف إلى القانون خلق فجوة بين ما يعرفه المجتمع حقًا، وما تعترف به الدولة حقًا؟

 او بمعنى اخر : ماذا يحدث عندما تدخل دولة مركزية واحدة إلى أرض تحمل كل هذا التاريخ، ثم تقول: سأعيد تعريف الحق فيها بالقانون والسجل؟

ذلك هو السؤال الذي سنقترب منه في العمود القادم.

عندما دخلت الدولة الحديثة إلى الأرض… ماذا حدث للحقوق القديمة؟

هنا تبدأ القصة الأصعب في تاريخ الأرض السودانية

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img