السودان الذي يجمعنا (3)

نشرت :

ما وراء المشهد

عندما دخلت الدولة الحديثة إلى الأرض (2)… ماذا حدث للحقوق القديمة؟

د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب

إذا كانت الأرض، قبل الدولة الحديثة، قد عرفت في السودان حقوقًا متعددة في الحيازة والانتفاع والزراعة والرعي، فإن السؤال الأصعب ظهر عندما بدأت الدولة المركزية الحديثة في فرض نظام قانوني وإداري أكثر توحيدًا :

ماذا يحدث عندما تحاول دولة واحدة أن تضع نظامًا قانونيًا لأرض كانت تُدار بعلاقات وأعراف متعددة؟

هنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات تاريخ السودان تعقيدًا؛ صفحة لم يكن الصراع فيها على الأرض وحدها، بل على من يملك حق تعريفها وتحديد ما عليها من حقوق .

من التركية إلى المهدية… عندما أصبحت الأرض أكثر ارتباطًا بالدولة

مع الحكم التركي المصري منذ 1821م، اتسعت سلطة الدولة المركزية، واتسعت معها الجباية والإدارة والتدخل في شؤون الأرض.

وفي المناطق النيلية، أخذت بعض الحيازات الزراعية الفردية شكلًا أكثر وضوحًا، بينما جعلت الضرائب والجبايات الأرض مرتبطة بصورة أكبر بقدرة صاحبها على الوفاء بالتزاماته تجاه الدولة. وتشير الدراسات إلى أن عدم القدرة على دفع الضرائب كان يمكن أن يؤدي إلى فقدان الأرض أو انتقالها إلى آخرين .

وهنا بدأ تحول مهم .

لم تعد العلاقة بالأرض شأنًا محليًا فقط؛ أصبحت الدولة طرفًا مباشرًا فيها.

لكن الحكم التركي لم يُلغِ كل النظم السابقة، ولم يحوّل السودان كله إلى نظام ملكية واحد. ظلت مناطق واسعة تُدار بعلاقات عرفية ومحلية، بينما كانت الملكيات الفردية أكثر وضوحًا في مناطق معينة، خصوصًا على امتداد النيل .

ثم جاءت المهدية سنة 1885م

وهنا لا ينبغي أن نكرر العبارة الشائعة التي تقول إن المهدية «ألغت كل الملكيات الخاصة» دفعة واحدة؛ فالمشهد أكثر تعقيدًا.

فالدراسات التاريخية تشير إلى أن المهدية لم تُحدث قطيعة كاملة مع كل نظم الحيازة السابقة، لكنها أعادت ترتيب الأرض والسلطة بصورة كبيرة، خصوصًا في الأراضي التي كانت مرتبطة بالحكومة التركية أو بخصوم الدولة الجديدة. كما منح الخليفة عبد الله التعايشي أراضي ومساحات لجماعات وأنصار وموالين، بينما فقدت جماعات أخرى حقوقًا كانت تتمتع بها .

إذن، كانت المهدية محطة مهمة في تاريخ الأرض، ليس لأنها اخترعت نظامًا جديدًا بالكامل، وإنما لأنها أظهرت بوضوح كيف يمكن للسلطة السياسية أن تعيد ترتيب حقوق الأرض وفق مقتضياتها السياسية والاجتماعية. فقالت :  “الأرضُ لله، والمالُ لبيتِ مالِ المسلمين”

الأرض هنا لم تكن اقتصادًا فقط؛ كانت جزءًا من بناء السلطة نفسها .

الحكم الثنائي… عندما دخلت الأرض عصر السجل والقانون

مع قيام الحكم الثنائي سنة 1899م، دخل السودان مرحلة جديدة في تنظيم الأرض .

بدأت عمليات التسوية والتسجيل مبكرًا، وسُجلت أولى التسويات في أعوام 1907 و1909 و1917، ثم جاء قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925م ليضع إطارًا أوسع لنظام التسجيل.

وهنا ظهر فرق جوهري بين عالمين :

الأرض كما يعرفها المجتمع… والأرض كما يعرفها السجل.

فالقانون يريد حدودًا، ووثيقة، ومالكًا، وحقًا محددًا.

أما المجتمع فقد يعرف الأرض من خلال الاستقرار القديم، والعرف، والدار، والحاكورة، ومسارات الرعي، وحقوق الانتفاع.

لم يكن أحد النظامين مجرد «خطأ»، لكن المشكلة ظهرت عندما لم يستوعب النظام القانوني الجديد كل الحقوق التي كانت قائمة في المجتمع .

وكانت هذه المسألة أكثر حساسية في المناطق التي لم تصل إليها عمليات التسجيل بصورة واسعة .

الجزيرة… الأرض في قلب مشروع الدولة

ثم جاءت مشروعات الزراعة المروية، وفي مقدمتها مشروع الجزيرة، لتقدم نموذجًا آخر.

بدأت الدولة ترتب علاقتها بالأرض بصورة مختلفة عندما أصبح الهدف إنشاء مشروع زراعي واسع يخدم اقتصادًا حديثًا قائمًا على الإنتاج والتصدير.

صدر تشريع أراضي الجزيرة سنة 1921م، ثم قانون الجزيرة لسنة 1927م الذي نظم توزيع الحيازات داخل المشروع. وفي إطار المشروع، استأجرت الحكومة أو اشترت أراضي من ملاكها، وأصبحت الأرض جزءًا من منظومة زراعية تديرها الدولة، بينما مُنح المزارعون حق الانتفاع وفق نظام الحواشات.

وهذه محطة مهمة؛ لأنها تكشف أن الدولة الحديثة لم تكن تتعامل مع الأرض باعتبارها ملكية فقط، وإنما باعتبارها أيضًا أداة للتنمية والإنتاج وإعادة تنظيم المجتمع الزراعي.

لكن كل إعادة تنظيم للأرض تحمل معها سؤالًا:

من يقرر كيف تُستخدم الأرض؟ ومن يستفيد من عائدها؟

وهذا السؤال سيعود لاحقًا بأشكال مختلفة.

بعد الاستقلال… الدولة الوطنية ترث المشكلة

جاء الاستقلال سنة 1956م، لكن الدولة الوطنية لم تبدأ من صفحة بيضاء.

لقد ورثت نظامًا قانونيًا وإداريًا نشأ في العهد الثنائي، كما ورثت واقعًا اجتماعيًا ظل في مناطق واسعة يعتمد على الأعراف والحقوق المحلية.

وكان التحدي واضحًا :

كيف تبني دولة حديثة واقتصادًا حديثًا من دون أن تقطع الصلة بالنظم التاريخية للأرض؟

وفي الوقت نفسه، كان السودان يتجه إلى التوسع الزراعي، خصوصًا الزراعة الآلية المطرية.

بدأت الزراعة الآلية في مناطق مثل القضارف منذ أربعينيات القرن العشرين، ثم اتسعت بعد الاستقلال، وازدادت سرعة التوسع مع إنشاء مؤسسة الزراعة الآلية سنة 1968م. وبحلول أواخر السبعينيات كانت ملايين الهكتارات قد خُصصت للزراعة الآلية، إلى جانب مساحات أخرى استُغلت دون تخطيط أو تحديد رسمي كامل

وهنا بدأت مشكلة جديدة تظهر بوضوح:

الأرض التي ينظر إليها المجتمع باعتبارها مجالًا للرعي أو الزراعة التقليدية، قد تراها الدولة أرضًا غير مسجلة يمكن تخصيصها لمشروع أو مستثمر.

وهذا الفرق في الرؤية سيصبح أكثر خطورة بعد سنة 1970م        

1970م… اللحظة التي تغيّر فيها ميزان الأرض

في 6 أبريل 1970م صدر قانون الأراضي غير المسجلة وكان هذا من أهم التحولات في تاريخ الأرض السودانية الحديثة ، فالقانون اعتبر الأراضي غير المسجلة، سواء كانت مشغولة أو غير مشغولة، ملكًا للحكومة وكأنها سُجلت باسمها. كما ترتب عليه تضييق شديد على إمكانية اكتساب الملكية في الأراضي غير المسجلة بمجرد وضع اليد أو الاستعمال التاريخي.

وهنا حدث التحول الأكبر :

الحق الذي كان المجتمع يمارسه عرفًا، لم يعد بالضرورة حقًا في الملكية  التي تعترف بها الدولة

ولم تكن المسألة نظرية .

فمساحات واسعة من السودان لم تكن قد خضعت للتسجيل الفردي، خصوصًا خارج مناطق الاستقرار الزراعي القديم والمراكز الحضرية. ولذلك كان للقانون أثر كبير في مناطق الزراعة المطرية والرعي، حيث كانت الحقوق الجماعية والعرفية أكثر حضورًا.

وفي 1971م أُلغي المستوى الأعلى من الإدارة الأهلية ضمن إعادة تنظيم الحكم المحلي، ثم أُلغيت المحاكم الأهلية سنة 1973م. وبذلك لم يتغير وضع الأرض قانونيًا فقط، بل تغير أيضًا الإطار المحلي الذي كان يتولى جانبًا من إدارة الحقوق والنزاعات..

وهنا علينا أن نكون دقيقين :

لم يكن قانون 1970 وحده سبب كل مشكلات الأرض اللاحقة

لكن أهميته أنه غيّر القاعدة التي كانت تحكم العلاقة بين الدولة والأرض غير المسجلة، ووسّع سلطة الدولة عليها بصورة غير مسبوقة .

1984م… هل عادت الأرض إلى أصحابها؟

في سنة 1984م صدر قانون المعاملات المدنية، وألغى قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970 ضمن القوانين التي أُلغيَت به، لكنه أبقى على مبدأ أساسي مهم: ملكية الدولة للأراضي التي لم تثبت ملكيتها الخاصة وفق النظام القانوني. كما نظم حقوق الانتفاع والرعي وغيرها من الحقوق المرتبطة بالأرض .

إذن، لم تكن المسألة مجرد إلغاء قانون واستعادة النظام القديم

تغير القانون، لكن السؤال الأساسي بقي قائمًا :

كيف تتعامل الدولة مع أرض يعيش عليها مجتمع يعتبرها حقًا تاريخيًا، بينما يعتبرها القانون أرضًا حكومية؟

وهذه الفجوة ظلت واحدة من أعقد مشكلات السودان .

سنوات الإنقاذ… الأرض تدخل مرحلة الاستثمار الواسع

مع وصول نظام الإنقاذ سنة 1989م، دخل ملف الأرض مرحلة جديدة ارتبطت بالتوسع في الاستثمار والزراعة الآلية والتخطيط العمراني ومشروعات التنمية.

وصدر خلال هذه المرحلة قانون التصرف في الأراضي لسنة 1994م، في سياق تنظيم تخصيص الأراضي والتخطيط الحضري.

لكن الأهم أن سياسات الاستثمار والتوسع الزراعي استمرت في وضع الأرض تحت سلطة الدولة، بينما ظلت قطاعات واسعة من المجتمعات الريفية تعتمد على حقوق عرفية لا تظهر بالضرورة في السجل الرسمي.

وفي مناطق الزراعة الآلية، اتسعت المساحات المخصصة للزراعة التجارية بصورة كبيرة، بينما واجه الرعاة مشكلة تقلص المراعي والمسارات والمياه. وتشير الدراسات إلى أن التوسع الزراعي الآلي، خصوصًا في مناطق مثل القضارف، ارتبط بتراجع مساحة الاستخدامات الرعوية التقليدية وازدياد الاحتكاك حول الموارد.

وهنا لا يصح أن نقول إن القانون وحده صنع الصراع .

فالجفاف والتصحر والنمو السكاني والهجرة والنزوح وتغير أنماط الإنتاج والتسليح والتنافس السياسي، كلها عوامل دخلت لاحقًا في المعادلة .

لكن الأرض ظلت المكان الذي تتقاطع فيه هذه العوامل كلها

ولهذا ظهرت قضية الأرض بقوة في أزمات دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها، وأصبحت الحواكير ومسارات الرعي والعودة إلى الأرض من القضايا الأساسية في نقاشات السلام.

إذن… أين تكمن المشكلة؟

بعد هذه الرحلة التاريخية الطويلة، يمكن أن نرى المشهد بصورة مختلفة.

المشكلة لم تبدأ في سنة 1970، ولم تبدأ مع الإنقاذ، ولم تبدأ مع الحرب الحالية.

الجذر أقدم :

بدأت المشكلة عندما انتقلت العلاقة بالأرض تدريجيًا من منظومة متعددة الحقوق والأعراف والسلطات المحلية إلى نظام قانوني مركزي تسعى الدولة من خلاله إلى تعريف الأرض وملكيتها واستخدامها .

وكان من الطبيعي أن تحتاج الدولة الحديثة إلى القانون .

لكن السؤال الذي لم يُحسم بصورة كاملة هو :

كيف يمكن للقانون الحديث أن يستوعب الحقوق التاريخية التي لم تُكتب كلها في سجلات الدولة؟

وهنا تكمن المفارقة السودانية :

فإذا اعترفت الدولة بكل حق تاريخي دون ضوابط، يمكن أن يتحول الحق إلى احتكار دائم .

وإذا ألغت الدولة الحقوق التاريخية لمجرد أنها غير مسجلة، فقد تتحول عملية التنظيم إلى مصدر للظلم والنزاع.

إذن، القضية ليست :

العرف أم القانون؟

بل :

كيف نصنع قانونًا يعترف بالتاريخ، ويحمي المصلحة العامة، ويمنع في الوقت نفسه احتكار الأرض باسم التاريخ؟

مع رضاء الجميع بالطبع

وهذا هو السؤال الذي يجعل قضية الأرض أكبر من نزاع على قطعة أرض .

إنها قضية مواطنة، وسلطة، وثروة، وتنمية، وعدالة، وهوية.

ولهذا، عندما نسمع اليوم عن نزاع حول دار، أو حاكورة، أو مرعى، أو أرض زراعية، علينا ألا نكتفي بالسؤال :

من بدأ النزاع؟

بل نسأل أولًا :

كيف تشكل الحق في هذه الأرض؟ ومن الذي غيّر قواعده؟ ومتى حدث ذلك؟ ومنذ متى أصبح ما كان عرفًا اجتماعيًا بحاجة إلى أن تثبته الدولة بوثيقة؟

فربما يكون فهم هذا التاريخ هو الخطوة الأولى لفهم واحدة من أعقد أزمات السودان .

لكن الأرض ليست وحدها التي صنعت المشكلة .

فإذا كانت الأرض قد رسمت جانبًا من علاقة الجماعات بالمكان، فإن السؤال التالي أكثر اتساعًا :

كيف تشكل المجتمع السوداني نفسه، وكيف تحولت جماعات متعددة التاريخ واللغة والثقافة إلى مجتمع واحد، ثم إلى دولة واحدة؟

ذلك هو السؤال التالي .

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img