المنصب مسؤولية لا سلطة مطلقة

نشرت :

تولي منصب إداري لا يعني امتلاك سلطة مطلقة، بل يمثل تكليفًا مهنيًا ومسؤولية مؤسسية تقتضي الالتزام بالأنظمة واللوائح والسياسات المعتمدة. فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول، ازدادت مسؤوليته عن حسن استخدامها، وضمان عدالتها، وربطها بالمصلحة العامة وأهداف المؤسسة.

الصلاحية الإدارية في إطارها النظامي

المنصب الإداري ليس امتيازًا شخصيًا، ولا وسيلة لتصفية الخلافات، ولا مبررًا لاتخاذ قرارات فردية تحكمها الانطباعات أو المواقف الشخصية. وإنما هو إطار تنظيمي يتيح للمسؤول ممارسة صلاحيات محددة وفق ضوابط واضحة وإجراءات معتمدة.

ومن حق المسؤول أن يطبق الأنظمة، وأن يتخذ الإجراءات اللازمة عند وجود مخالفة أو تقصير، شريطة أن يستند ذلك إلى أساس نظامي واضح، وأن يتم بصورة متدرجة وموضوعية، مع ضمان حق الموظف في المعرفة والرد والتظلم وفق القنوات المعتمدة.

فالفرق جوهري بين تطبيق اللائحة وتفسيرها بما يخدم موقفًا شخصيًا، وبين اتخاذ إجراء إداري مستند إلى صلاحية محددة واتخاذ قرار فردي بدافع عدم الرضا عن موقف أو رأي.

الحزم المهني واحترام الكرامة

الحزم الإداري لا يتعارض مع احترام الموظف، كما أن الحفاظ على هيبة المسؤول لا يتطلب الإهانة أو الانتقاص من الكرامة. فالإدارة المهنية تقيس أداءها بمدى وضوح قراراتها، واتساق إجراءاتها، وعدالة تطبيقها، لا بمقدار الخوف الذي تثيره لدى العاملين.

وعند وقوع خطأ أو تقصير، ينبغي التعامل معه من خلال أدوات مهنية واضحة، تشمل التوثيق، والتحقق من الوقائع، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وتحديد المسؤولية، ثم اتخاذ الإجراء المناسب والمتناسب مع طبيعة المخالفة وآثارها.

أما تحويل الخلافات الشخصية إلى قرارات إدارية، أو استخدام اللوائح وسيلة للضغط أو الانتقام، فإنه يخل بمبدأ الحياد، ويضعف الثقة بالمؤسسة، ويؤثر سلبًا في بيئة العمل.

معايير المسؤول الإداري العادل

المسؤول العادل هو من يطبق الأنظمة على الجميع وفق معايير موحدة، بعيدًا عن المحاباة والانتقائية، ويفصل بين المصلحة المؤسسية ومواقفه الشخصية. كما يحرص على أن تكون قراراته:

● مستندة إلى نظام أو لائحة أو سياسة معتمدة.
● مبنية على وقائع قابلة للتحقق، لا على الانطباعات.
● متناسبة مع طبيعة المخالفة أو الحالة.
● واضحة ومعللة وقابلة للمراجعة.
● خالية من التمييز أو الانتقام أو تضارب المصالح.
● منسجمة مع حقوق الموظفين وكرامتهم المهنية.

فالقوة الإدارية الحقيقية لا تتمثل في فرض الإرادة، بل في القدرة على اتخاذ قرارات متزنة، والدفاع عنها مهنيًا، وتحمل مسؤوليتها، وتطبيقها بعدالة واتساق.

المسؤولية لا تعلو فوق النظام

قد يملك المدير صلاحية إصدار قرار، لكنه لا يملك حق إهانة أي موظف. وقد يملك سلطة المحاسبة، لكنه لا يملك تحويلها إلى انتقام. وقد يملك صلاحية تنظيم العمل، لكنه لا يملك استخدام اللوائح أداة لمعاقبة من يختلف معه أو ينتقد أداءه.

فالمنصب يوسع نطاق المسؤولية، لكنه لا يرفع صاحبه فوق النظام. وكل قرار إداري ينبغي أن يظل مرتبطًا بالاختصاص، والسبب، والإجراء، والغاية المشروعة.

الأثر المؤسسي للمسؤول

يغادر المسؤول منصبه في نهاية المطاف، لكن أثره يبقى في المؤسسة وفي نفوس من عملوا معه. ويظهر هذا الأثر في أسئلة جوهرية: هل كان عادلًا؟ هل احترم كرامة الموظفين؟ هل طبق الأنظمة على الجميع؟ هل أسهم في بناء بيئة عمل آمنة ومنتجة؟ أم جعل الخوف والقلق وسيلة لإدارة الفريق؟

إن أعظم ما يمكن أن يتركه المسؤول ليس عدد القرارات التي أصدرها، ولا مقدار النفوذ الذي مارسه، بل نموذجًا إداريًا قائمًا على النزاهة، والموضوعية، واحترام الإنسان، وحسن استخدام الصلاحيات.

فالمناصب تتغير، والصلاحيات تنتهي، أما العدالة والأمانة وحسن الأثر فتبقى معيارًا حقيقيًا لقيمة المسؤول ونجاحه.


أ.عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img