كيف أقسّم نفسي؟

نشرت :

🖋️ عوض بن محمد الصيعري
..
كيف أقسّم نفسي؟

ثمة نعمٌ تأتي إلى الإنسان في صورة ابتلاءات جميلة، لا ينتبه لها إلا بعد أن تتسع.

ومن أجمل هذه النعم أن يكون الإنسان محاطًا بأشخاص يحبهم ويحبونه؛ أن يفتقده الناس إذا غاب، ويبحثوا عن مجلسه، ويجدوا في حضوره شيئًا من الأنس والطمأنينة والضحك والفضفضة.

تبدأ الحكاية ببساطة:
«أين أنت؟»
«متى نشوفك؟»
«وينك؟ اشتقنا لك».
ثم تتسع دائرة العلاقات، وتتعدد المناسبات، وتزداد المسؤوليات، ويصبح الهاتف جزءًا من يوم مزدحم بالاتصالات والرسائل واللقاءات.
في البداية يبدو كل ذلك جميلًا، وهو كذلك فعلًا. لكن مع اتساع الحياة يصبح الوقت أكثر محدودية، ويظهر سؤال لا علاقة له بقلة المحبة، وإنما بكثرة ما تتطلبه الحياة:

كيف أقسّم نفسي؟


كيف أكون حاضرًا لمن أحب، وأمنح عائلتي حقها، وأؤدي عملي وواجباتي، وأجد في الوقت نفسه مساحة أستعيد فيها نفسي؟

فالإنسان، مهما اتسع قلبه، محدود الوقت والطاقة. وقد لا نتعب من الناس، وإنما نتعب من محاولة الجمع بين كل ما نحب وكل ما يجب علينا القيام به في وقت واحد.
قد يكون الإنسان محاطًا بعشرات الأصدقاء، لكنه يحتاج أحيانًا إلى ساعة هادئة يرتب فيها أفكاره. وقد تكون لديه دعوات كثيرة، لكنه لا يستطيع حضورها جميعًا، وقد يشتاق إلى أصدقائه فعلًا لكنه لا يجد الوقت الكافي للقاء بهم.

وهذا ليس تناقضًا.

المحبة لا تعني أن نكون حاضرين طوال الوقت، كما أن قلة اللقاء لا تعني قلة المحبة.
فالعلاقات الناضجة تتسع للتفهم؛ تفهم أن لكل إنسان مسؤولياته وظروفه ووقته المحدود.

قد نعتذر عن لقاء لأن الوقت لم يسمح، وقد نتأخر في الرد لأن يومنا كان مزدحمًا، وقد نختار بعض الهدوء لأننا نحتاج إلى استعادة طاقتنا. وليس في شيء من ذلك بالضرورة جفاء أو ابتعاد.

وهناك فرق بين الوحدة والمساحة الشخصية.

الوحدة أن يفتقد الإنسان من يحتاج إليهم، أما المساحة الشخصية فهي أن يمنح نفسه وقتًا تستعيد فيه هدوءها وتوازنها. وهذه المساحة ليست ترفًا؛ فالإنسان الذي يستنزف نفسه في محاولة الوفاء بكل الالتزامات قد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها أن يمنح من يحبهم الحضور الذي يستحقونه.
لذلك، لا يعني الحفاظ على العلاقات أن نكون متاحين طوال الوقت. ليس مطلوبًا أن نجيب كل اتصال فورًا، أو نقبل كل دعوة، أو نحضر كل مناسبة.
أحيانًا تكون كلمة «ليس الآن» أكثر صدقًا من حضورٍ يأتي على حساب طاقتنا.
ومع تقدم العمر، نتعلم أن ليس كل من نحبهم يجب أن نراهم باستمرار، وأن العلاقات الجميلة لا تُقاس بعدد اللقاءات، بل بصدق المودة وعمقها.

فربما لا يكون السؤال:
«كم شخصًا أستطيع أن أحتمل في حياتي؟»
بل:
«كم علاقة أستطيع أن أمنحها من وقتي وحضوري بصدق، دون أن أقصر في حق نفسي أو في حق من أحب؟»

وهنا تكمن إحدى علامات النضج؛ أن نتعلم كيف نحب دون أن نستنزف أنفسنا، وكيف نعطي دون أن نفرغ طاقتنا، وكيف نقترب دون أن نهمل بقية جوانب حياتنا، وكيف نعتذر عندما لا يسمح الوقت دون أن نشعر بالذنب.

فليس كل غياب جفاء،
وليس كل اعتذار فتورًا،
وليس كل انشغال ابتعادًا.

وأحيانًا، لا تقل المحبة لأن اللقاء قلّ… بل لأن الحياة ازدحمت.

وفي نهاية المطاف، لا نحتاج إلى أن نخسر علاقاتنا كي نجد وقتًا لأنفسنا، بل أن نتعلم كيف نوزع هذا الوقت بحكمة؛ بما يحفظ محبتنا للآخرين، ويحفظ لنا أيضًا حقنا في الراحة والهدوء والحياة.

فبين كل هذه العلاقات، وكل هذا الحب الذي يحيط بنا، تبقى علاقة واحدة لا ينبغي أن نغفل عنها طويلًا:
علاقتنا بأنفسنا.
..

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img