من الجغرافيا الساكنة إلى الكفاءة الإنتاجية: فك الاشتباك المفاهيمي في التخطيط الاقتصادي العُماني

نشرت :

حملت التوجيهات السامية الأخيرة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء في صلالة، وتفقده الميداني للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، رسائل استراتيجية بالغة الأهمية للمخططين وصناع القرار في السلطنة. فقد وضعت الرؤية السامية يدها على المحركين الأساسيين لمستقبل التنويع الاقتصادي ضمن رؤية “عُمان 2040”: الأول هو الاستغلال الذكي والمكثف لـ “العبقرية المكانية” لعُمان، والثاني هو رفع القيمة المضافة من الموارد والمواد الخام المحلية عبر الإنتاج والتصنيع المتخصص.

ومع ذلك، يبرز تحدٍ تخطيطي صامت وخفي يتمثل في عدم التمييز الواضح لدى بعض الدوائر التنفيذية بين مفهومين محوريين: “تعظيم العائد الاقتصادي لقطاع ما”، و”تعظيم العائد الاقتصادي للموقع الجغرافي للبلد في قطاع ما”. إن الخلط بين هذين التوجهين أو التعامل معهما كمفهوم واحد قد يؤدي إلى تشتيت الجهود التمويلية وغياب التركيز الاستراتيجي، بينما يتطلب الراهن الاقتصادي إدراك الفارق لرسم سياسات دقيقة لكل مسار.

أولاً: تعظيم العائد الاقتصادي لقطاع ما (رفع القيمة التنافسية للداخل)

ينطلق هذا المفهوم من القطاع نفسه كبنية إنتاجية، بغض النظر عن موقع السلطنة الجغرافي. الهدف هنا هو التساؤل: كيف نحول مدخلات وموارد هذا القطاع إلى أقصى قيمة مضافة ممكنة وبأقل التكاليف؟

إذا أخذنا القطاع الصناعي كمثال؛ فإن تعظيم العائد فيه يعني الكف عن تصدير المواد الخام بشكلها الأولي، والانتقال نحو الصناعات التحويلية والدقيقة. على سبيل المثال، بدلاً من تصدير الجبس أو الكروم أو المعادن الخام، يركز هذا التوجه على بناء مصانع متقدمة محلياً لإنتاج مواد البناء المتطورة أو السبائك عالية القيمة. وفي قطاع البتروكيماويات والغاز، يتجسد المفهوم في تشغيل مصفاة الدقم والمجمعات المصاحبة لإنتاج مواد وسيطة ونهائية تدخل في صناعات البلاستيك والإلكترونيات الطبية، بدلاً من الاكتفاء ببيع الوقود المكرر. هذا التوجه يعتمد على توطين التكنولوجيا، رفع كفاءة سلاسل التوريد المحلية، وتعزيز القيمة المحلية المضافة (ICV) لإيجاد فرص عمل مستدامة وتدوير رأس المال داخل الاقتصاد الوطني.

من يقود هذا الحراك؟

إن قيادة هذا التوجه تقع حصرياً في ملعب الوزارات القطاعية المعنية كلا حسب اختصاصاتها، بالتعاون مع الأذرع الاستثمارية والتنفيذية للدولة (مثل جهاز الاستثمار العماني). هذه الجهات هي المسؤولة عن صياغة السياسات الإنتاجية داخل قطاعها، وتوطين التكنولوجيا، وبناء الكفاءات الوطنية، وتطوير سلاسل القيمة الداخلية للمنتج العُماني، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة.

ثانياً: تعظيم العائد الاقتصادي للموقع الجغرافي في قطاع ما (عُمان كمنصة للعالم)

هذا التوجه لا ينطلق من المنتج، بل من “الميزة المكانية والنسبية للسلطنة”؛ إشرافها المباشر على بحر العرب والمحيط الهندي، والاستقرار السياسي ووقوعها خارج الازمات الجيوسياسية في المضايق، وتوسطها خطوط الملاحة الشرقية والغربية. هنا يتم تحويل الجغرافيا من حالة “مرور ساكن” للبضائع، إلى “مركز مالي ولوجستي وصناعي نشط” عابر للحدود، وهذا ما يجعل عمان في مصاف الدول المتقدمة.

في القطاع الصناعي واللوجستي بالدقم أو صلالة، لا يقتصر تعظيم عائد الموقع على جذب مصانع عُمانية، بل يمتد إلى جعل هذه المناطق “منصات ارتكاز عالمية” (Global Hubs) تتدفق إليها الشركات العالمية لتصنيع وتجميع منتجاتها. المفهوم هنا يتحقق عندما تستقطب الدقم مشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها للعالم عبر موقعها المفتوح، أو عندما تستغل المصانع العالمية القرب من ميناء صلالة وميناء الدقم لاستيراد المواد الخام وتصنيعها ثم إعادة تصديرها فوراً للأسواق الأفريقية والآسيوية بيسر وكلفة أقل. الأدوات التنفيذية والاستراتيجيات هنا تختلف؛ فهي لا تتعلق فقط بكفاءة الإنتاج او المصنع أو المنتجات، بل بكفاءة بيئة الأعمال، التسهيلات الممنوحة، استقرار السوق، مرونة التشريعات، الإعفاءات الجمركية، سرعة الإجراءات الرقمية، وتكامل الخدمات وتزويد السفن بالوقود.

من يقود هذا الحراك؟

هنا يتطلب الأمر قيادة من نوع مختلف؛ قيادة عليا مكانية وتشريعية تقودها وزارة الاقتصاد والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، بالتكامل مع مجموعة أسياد (المحرك اللوجستي الوطني)، وبدعم مباشر من وزارة العمل ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وشرطة عُمان السلطانية (الجمارك) ووزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. هذه المنظومة هي المسؤولة عن هندسة “التسهيلات التنافسية”، وربط الموانئ بالمناطق الحرة، وتحسين مؤشرات الأداء اللوجستي العالمي للسلطنة لتبسيط عبور البضائع والأموال.

الفارق الجوهري والدعوة للمخططين

بإيجاز شديد؛ تعظيم العائد الاقتصادي للقطاع يجيب على سؤال: (ماذا ننتج وكيف نرفع قيمته؟) وهدفه الأساسي بناء عمق اقتصادي داخلي وتحقيق الاكتفاء والتنافسية التصديرية والحد من عمليات الاستيراد. بينما تعظيم العائد الاقتصادي للموقع يجيب على سؤال: (أين نقع عالميا أو اقليما كحد أدنى، وكيف نجعل حركة التجارة والاستثمار العالمية تتوقف وتتوطن لدينا وتعبر من خلالنا؟) وهدفه جعل عُمان شريان حيوي للاقتصاد العالمي.

إن التوجيهات السامية الكريمة الصادرة في صلالة والدقم لم تضع هذين المسارين من قبيل المصادفة، بل رسمت تكاملاً عبقرياً يتطلب من المسؤولين والمخططين تفكيك آليات العمل:

  1. على المستوى القطاعي: نحن بحاجة إلى استراتيجيات انتاجية تركز على الابتكار، والبحث والتطوير، ورفع الإنتاجية لتعزيز الصادرات غير النفطية بناءً على المواد الخام المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.
  2. على المستوى الجغرافي: نحن بحاجة إلى تسريع إطلاق “البرنامج الوطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار” (المقرر في 2027)، وتقديم تسهيلات استثنائية غير تقليدية تجعل من موانئنا ومناطقنا الحرة وبلدنا الخيار الأول والوحيد للاستثمارات العابرة والشركات متعددة الجنسيات.

ترتيب الأولويات بناءً على “الميزة النسبية”

وفي مسار التنافسية الإقليمية والعالمية الشرسة، لا يملك المخططون في السلطنة وصناع القرار الرفاهية الزمنية والمالية ولا حتى على مستوى الوضع الجيوسياسي لتجربة كافة المسارات دفعة واحدة، بل يتحتم علينا تبني “سياسة الاختيار الاستراتيجي للأولويات” والتركيز أولاً على القطاعات التي تتقاطع فيها جغرافية عُمان الفريدة مع احتياجات المستقبل العالمية؛ وتأتي في مقدمة هذه الأولويات خمسة مسارات رئيسية:

  • قطاع الطاقة الخضراء والتموين النظيف (الهيدروجين والأمونيا): مستفيدين من وقوع الدقم والمناطق الساحلية خارج مضيق هرمز ومواجهتها المباشرة للمحيط الهندي، مما يمنح السلطنة ميزة نسبية هائلة في توليد طاقة الرياح والشمس، وتصديرها بيسر إلى أسواق أوروبا وآسيا دون تعقيدات جيوسياسية، فضلاً عن تحويل موانئنا إلى مراكز عالمية لتموين السفن بالوقود الأخضر.
  • قطاع الثروة السمكية والأمن الغذائي العالمي: إشراف عُمان على بحار مفتوحة غنية بالموارد الحية يمنحها فرصة ذهبية لتعظيم عائد موقعها، ليس فقط عبر الصيد التقليدي، بل بتحويل مناطق مثل الدقم (عبر ميناء الصيد البحري متعدد الأغراض ومجمع الصناعات السمكية) إلى مركز إقليمي رائد للصناعات الغذائية والسمكية التحويلية للدول المطلة على المحيط الهندي. هذا يعني استقطاب أساطيل الصيد العالمية وتوطين المصانع بما فيها مصانع التعليب والتصنيع المتطور والقيمة المضافة، ثم إعادة تصدير المنتجات الغذائية الفاخرة للأسواق العالمية بالاستفادة من خطوط الشحن السريعة.
  • قطاع اللوجستيات المتكاملة وإعادة التصدير (الممكّن والشريان المغذي): من الجدير بالذكر أن هذا القطاع لا يعمل كجزر مستقلة بذاتها، بل هو قطاع داعم وتمكيني وظيفته الأساسية خدمة وإنجاح القطاعات الأربعة الأخرى؛ فبدون شبكة لوجستية متطورة لن تصل الأسماك العُمانية طازجة لأسواق العالم، ولن تتدفق توربينات الطاقة الخضراء، ولن ينتقل السائح بسلاسة. ومن هنا، يهدف تعظيم عائد الموقع عبر هذا الشريان إلى تسريع تحويل موانئ الدقم، وصلالة، وصحار من موانئ تقليدية إلى تجمعات صناعية ولوجستية عالمية ذكية، تُجرى فيها عمليات التصنيع الخفيف، التعبئة، والخدمات ذات القيمة المضافة لإعادة تصدير السلع بمرونة وسرعة قياسية للأسواق الناشئة في شرق أفريقيا وشبه القارة الهندية.
  • قطاع تكنولوجيا المعلومات والبيانات (مراكز الحوسبة السحابية وكابلات الإنترنت): استغلالاً لكون عُمان نقطة التقاء تاريخية وطبيعية لكابلات الاتصالات البحرية التي تربط الشرق بالغرب، مما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً آمناً لاستضافة مراكز البيانات العملاقة (Data Centers) لشركات التكنولوجيا العالمية.
  • قطاع السياحة المتخصصة كمركز إقليمي وعالمي: إن التنوع التضاريسي النادر لعُمان بين جبال شاهقة، سواحل ممتدة، وأخاديد بكر، بالتوازي مع موقعها القريب من أسواق الخليج وآسيا وأوروبا، يؤهلها لتكون المركز الإقليمي الأول للسياحة النوعية. يتطلب هذا تعظيم عائد الموقع عبر الاستثمار الموجه في سياحة المغامرات والسياحة البيئية في الجبال والأودية، والسياحة العائلية والفاخرة المعتمدة على الخصوصية والجمال الطبيعي، إلى جانب تطوير سياحة الأعمال والريادة الرياضية وسياحة الأعراس العالمية والأطباء المستشفيين (سياحة الاستشفاء) مستفيدين من طقس ظفار الاستثنائي شتاءً وصيفاً وموقع مسقط الاستراتيجي كمحطة ربط عالمية.

إن وعي صانع القرار والتنفيذيين في الجهات المعنية بالفارق الدقيق بين هذين التوجهين هو الخطوة الأولى لضمان توجيه الموارد المالية والجهود البشرية نحو غاياتها الصحيحة. فتعظيم عائد القطاع يحمي اقتصادنا من التقلبات الداخلية والخارجية، وتعظيم عائد الموقع يمنحنا مقعداً راسخاً في خارطة الاقتصاد العالمي الجديد. ولن يتحقق ذلك إلا بوضع خطط عمل منفصلة الأدوات والمحاور، متكاملة الأهداف، تنفذ التوجيهات السامية بدقة ودراية.

كتبه:
المهندس/ محمد بن فضل البلوشي

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img