المسرح الظفاري بين حقبتين.. من شغف التسعينيات المتواضع إلى إمكانيات اليوم المتزايدة

نشرت :

راي اليوم

صحيفة اليوم العمانية

في محافظة ظفار حيث يمتزج عبق اللبان بتاريخ طويل من الحراك الثقافي، يقف المسرح اليوم على مفترق طرق بين ماضٍ يُستذكر بشغف وحاضر يُنتقد بشدة. يتساءل كثير من المتابعين والمحبين: هل هناك مقارنة حقيقية في الجودة والعطاء والإمكانيات بين مسرح تسعينيات القرن الماضي ومسرح عام 2026؟ الإجابة تكشف مفارقة لافتة؛ إمكانيات أكبر، وبنية تحتية أفضل، ومهرجانات دولية، مقابل ما يراه البعض تراجعاً في العمق والرسالة والجودة الفنية.

حقبة التسعينيات: مسرح الرسالة رغم التواضع

في تسعينيات القرن الماضي كان المسرح الظفاري ينبض بالحياة رغم الإمكانيات المتواضعة. بدأت الجذور أبكر من ذلك بعروض مدرسية في بالمدرسة السعيدية بصلالة ثم انتقلت إلى الأندية في السبعينيات (نادي ظفار والنصر)، حيث كانت العروض تُكتب وتُقدَّم في يوم واحد بأسلوب ارتجالي قريب من الجمهور.

مع تأسيس «مسرح الشباب» في ظفار في منتصف الثمانينيات (حوالي 1983-1985) بدأت مرحلة أكثر تنظيماً قدمت فرق شبابية أعمالاً اجتماعية وتاريخية وأسطورية مستمدة من الموروث، تحمل قصصاً ورسائل ورموزاً قوية. كان الجمهور شغوفاً يملأ القاعات والمساحات المفتوحة، ويجد في المسرح مرآة لقضاياه ووسيلة تثقيف وترفيه في آن واحد. الإمكانيات كانت محدودة: ديكورات بسيطة، إضاءة متواضعة، وميزانيات ضئيلة، لكن الحماس والإيمان برسالة المسرح عوّضا النقص. كما شهدت أواخر التسعينيات تأسيس فرق أهلية مثل فرقة صلالة الأهلية (1997-1998)، التي قدمت عشرات العروض وحققت حضوراً جماهيرياً كبيراً.

كان المسرح آنذاك «صحيّاً» بمعنى الكلمة بعيداً عن الصراخ المبالغ فيه أو الرقص الاستعراضي الفارغ، يركز على الحوار والرمز والقضية. الجمهور لم يكن يبحث عن «اقتناص اللحظة» أو تقليد النجوم الكبار مثل عبد الحسين عبد الرضا، بل عن عمل أصيل يلامس واقعه.

حقبة 2026: إمكانيات متزايدة.. وجودة محل جدل

اليوم تغير المشهد جذرياً تتمتع ظفار بمسارح مجهزة مثل مسرح المروج، ودعم مؤسسي أوضح، وفرق أهلية متعددة (الرؤية، أوبار، صلالة، الأصالة، السلطنة وغيرها) لكن النقد الحاد حاضر بقوة، ويتردد على ألسنة متابعين كثر: زادت الإمكانيات وهبط المستوى. يُوصف بعض العروض بأنها تحولت إلى «صراع وصراخ» بين رموز المسرح، أو استعراضات راقصة مبالغ فيها وتعليقات سخيفة تُقدَّم على أنها كوميديا. يُنتقد الاستنساخ المشوه لأساليب نجوم كبار دون فهم روح أعمالهم أو سياقها، فيصبح التقليد مجرد قشور. في وقت يُفترض أن يلعب المسرح دوراً في توجيه المجتمع وإرسال رسائل هادفة، يبدو أحياناً غارقاً في الترفيه السطحي أو الصراعات الشخصية.

هذه المفارقة ليست خاصة بظفار وحدها انما يشهد المسرح العربي عموماً تحولات مشابهة بين التجاري والجماهيري من جهة، والتجريبي والرسالة من جهة أخرى. لكن في السياق الظفاري، يبرز الشغف الجماهيري القديم كمعيار يُقاس به الحاضر.

مقارنة في الجودة والعطاء والإمكانيات

فالإمكانيات لا مقارنة فالتسعينيات كانت عصر التواضع والإبداع بالحد الأدنى اما اليوم مسارح حديثة، تمويل، مهرجانات دولية، تدريب، وانفتاح على العالم. والعطاء والحضور بالتسعينيات تميزت بشغف جماهيري عضوي وارتباط مباشر بالمجتمع و اليوم الحضور وان كان موجود فهو هزيل ومتواضع ويجب البحث في الأسباب .

اما الجودة والرسالة هنا يكمن الجدل الأكبر. يرى كثيرون أن العمق والرمز والقضية تراجعاً لصالح الشكل والصوت العالي و المطلوب كما يعبّر محبون للمسرح، هو «مسرح صحي ومتوازن» بعيد عن الصراخ والرقص المبالغ فيه والتعليقات الرخيصة، يحترم الجمهور ويحترم نفسه، يستلهم التراث الظفاري والعربي دون تشويه، ويحاكي الكبار بروح لا بتقليد أعمى. فالمسرح الظفاري يملك اليوم أدوات لم يملكها من قبل، وجمهوراً لا يزال ينتظر.  الفرصة قائمة لاستعادة روح التسعينيات و الشغف والرسالة و مع الاستفادة من إمكانيات العصر. النجاح لا يُقاس بعدد العروض أو حجم الجوائز فقط، بل بقدرة الخشبة على أن تكون مرآة صادقة للمجتمع، لا مجرد منصة للضجيج.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل مكروه …

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img