حين يصبح الهدوء قوة.. عُمان التي لا يصنع الضجيج بوصلتها

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي بن خميس الحريبي

ليست قوة الأوطان دائمًا في قدرتها على رفع الصوت، ولا في سرعة الاستجابة لكل ما يطرأ في فضائها العام، بل ربما تكون في قدرتها على أن تبقى هادئة حين ترتفع الأصوات، ومتزنة حين تتسارع الأحكام، وواعية حين يصبح الضجيج أكثر حضورًا من الحقيقة.

وفي لحظات كهذه، يصبح الهدوء أكثر من حالة نفسية؛ يصبح موقفًا.

وعُمان التي راكمت عبر تاريخها الطويل خبرة في إدارة التحولات، وبناء العلاقات، والتعامل مع التباين، تدرك أن استقرار المجتمعات لا يقوم على غياب الاختلاف، وإنما على قدرتها على إدارته. فـالتماسك الوطني لا يعني أن تتطابق الآراء، ولا أن تتشابه المواقف، بل أن يبقى هناك إطار أوسع يجمع المختلفين، ويجعل المصلحة العامة أسبق من الانفعال العابر.

هذه المعادلة تبدو أكثر أهمية في زمن تغيرت فيه طبيعة التأثير. فالمعلومة تصل قبل أن تُراجع، والرأي ينتشر قبل أن يُختبر، والانطباع قد يسبق الحقيقة بمسافات واسعة. وأصبح بإمكان جملة واحدة، أو صورة مبتورة، أو رواية غير مكتملة أن تصنع موجة من التفاعل قبل أن تتاح للمجتمع فرصة السؤال: ماذا حدث فعلًا؟

هنا تحديدًا تظهر قيمة الحكمة.

الحكمة ليست أن نصمت أمام الخطأ، وليست أن نتخلى عن حقنا في السؤال أو النقد، بل أن نعرف الفرق بين السؤال الذي يفتح باب الفهم، والسؤال الذي يُستخدم لإشعال الخصومة؛ وبين النقد الذي يبحث عن الإصلاح، والنقد الذي لا ينتج إلا مزيدًا من الاستقطاب.

فليس كل ما يُقال يستحق أن يصبح قضية، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يصبح حقيقة، وليس كل صوت مرتفع أكثر أهمية من صوت هادئ يمتلك معرفة وحجة.

ومن هنا يبدأ الفرق بين الوعي والضجيج.

الوعي يتوقف قبل الحكم، ويتحقق قبل النقل، ويستمع إلى أكثر من رواية، ويفصل بين الحقيقة والتفسير، وبين المعلومة والانطباع. أما الضجيج، فغالبًا ما يعيش على السرعة؛ سرعة الحكم، وسرعة الانتشار، وسرعة صناعة المواقف.

وفي مجتمع يمتلك مناعة مجتمعية راسخة، لا تكون الاستجابة لكل صوت هي القاعدة، بل تكون القدرة على التمييز هي القاعدة: ماذا نسمع؟ ماذا نناقش؟ ماذا نتحقق منه؟ وماذا نتركه يمر دون أن نمنحه أكبر من حجمه؟

هذه ليست دعوة إلى تجاهل ما يدور حولنا، بل إلى امتلاك القدرة على التعامل معه بوعي.

فالانفتاح لا يعني السذاجة، والوعي لا يعني القلق، والنقد لا يعني الخصومة.

وهنا تبرز قيمة الوعي الجمعي؛ فالكلمة التي يكتبها الفرد في فضاء عام لا تبقى دائمًا فردية في أثرها. قد تنتقل، وتتوسع، وتُقتطع من سياقها، وتصبح جزءًا من صورة أكبر. ومن ثم فإن مسؤولية الفرد لا تتوقف عند حدود ما يريد قوله، بل تمتد إلى أثر ما يقوله في الآخرين وفي البيئة التي يعيشون فيها.

وفي زمن يمكن فيه لمنشور عابر أن يصل إلى آلاف الأشخاص في دقائق، تصبح المسؤولية عن الكلمة جزءًا من المسؤولية عن المجتمع.

لكن هل يعني ذلك أن نتخلى عن النقد؟

بالتأكيد لا.

فالمجتمع الذي لا يسمح بالنقد يفقد إحدى أدوات تطويره، والمجتمع الذي يحول كل نقد إلى تهديد يفقد القدرة على رؤية مواطن الخلل. لكن المجتمع الذي يحول كل ملاحظة إلى أزمة، وكل اختلاف إلى خصومة، وكل رأي إلى معركة، يفقد أيضًا قدرته على التوازن.

المطلوب إذن ليس مجتمعًا بلا اختلاف، وإنما مجتمع يمتلك الرصانة الوطنية التي تمكنه من إدارة الاختلاف دون أن يسمح له بتفكيك الروابط التي تجمعه.

أن نختلف دون أن نتخاصم.

أن ننتقد دون أن نهدم.

أن نطالب بالتحسين دون أن نفقد الثقة.

أن نسأل دون أن نستبق الإجابة.

وأن نعرف أن الوطن أوسع من قضية عابرة، وأبقى من موجة رقمية، وأعمق من موقف يتغير بتغير العناوين.

وهنا يأتي الحزم، بوصفه الوجه الآخر للحكمة.

فالحزم ليس ارتفاعًا للصوت، وليس اندفاعًا في الرد، وليس رفضًا للاختلاف. الحزم الحقيقي هو أن نعرف ما الذي يستحق أن نواجهه، وما الذي ينبغي أن نعالجه، وما الذي لا يستحق أن نمنحه من طاقتنا شيئًا.

وقد يكون من أكثر أشكال الحزم نضجًا أن نرفض أن يحدد لنا الضجيج أولوياتنا.

ففي عالم سريع الإيقاع، قد يصبح التريث فعلًا من أفعال القوة. أن ننتظر اكتمال الصورة قبل أن نحكم. أن نتحقق قبل أن ننقل. أن نمنح المؤسسات والمجتمع فرصة للمعالجة. وأن ندرك أن بعض القضايا لا تُحل في مساحة منشور، ولا تختصر في تعليق، ولا تحتاج إلى رد فعل بقدر ما تحتاج إلى عمل هادئ ومتدرج.

إن التلاحم المجتمعي لا يعني أن نتفق على كل شيء، بل أن نمتلك القدرة على الاختلاف دون أن نخسر بعضنا.

وهذا ربما هو الاختبار الحقيقي لأي مجتمع: ليس كيف يتصرف عندما تسير الأمور في اتجاه واحد، وإنما كيف يحافظ على روابطه حين تتعدد الرؤى وتختلف القراءات.

فالاختلاف طبيعي، أما تحويل الاختلاف إلى قطيعة فليس طبيعيًا.

والنقد ضرورة، أما تحويل النقد إلى هدم للثقة فليس ضرورة.

والتعدد مصدر ثراء، أما تحويله إلى استقطاب فهو ما ينبغي أن نحذر منه.

ولهذا فإن حماية النسيج العُماني لا تبدأ فقط من المؤسسات، وإنما تبدأ من السلوك اليومي لكل فرد: من طريقة حديثه، ومن قدرته على ضبط انفعاله، ومن استعداده للتحقق، ومن احترامه لمن يختلف معه.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها في مجموعها تصنع المناخ الذي يعيش فيه المجتمع.

وفي هذا السياق، ربما نحتاج إلى إعادة اكتشاف معنى الهدوء.

فالهدوء ليس غيابًا للموقف، كما أن الصمت ليس دائمًا تراجعًا. أحيانًا يكون الهدوء هو المسافة التي نحتاجها حتى نرى الصورة كاملة. وأحيانًا يكون الصمت المؤقت أكثر مسؤولية من رد سريع قد يصعب التراجع عنه لاحقًا.

أن تقول: «لا أعرف بعد» قد يكون أكثر صدقًا من أن تتحدث بما لا تعرف.

وأن تقول: «سأتحقق أولًا» قد يكون أكثر وعيًا من أن تكون أول من ينقل.

وأن تقول: «هذا الاختلاف لا يفسد ما يجمعنا» قد يكون أكثر قوة من الدخول في معركة لا رابح فيها.

هذه ليست سلبية؛ إنها مناعة فكرية ومجتمعية.

ولا يعني ذلك أن نقدم صورة مثالية عن الواقع أو أن نتجاهل ما يحتاج إلى إصلاح. على العكس، فالمجتمع الواثق من نفسه هو الذي يستطيع أن يرى مكامن القوة ومواطن الخلل معًا؛ فيحمي ما يستحق الحماية، ويصلح ما يحتاج إلى إصلاح، ويعترف بالمشكلة دون أن يسمح لها بأن تختصر صورة الوطن كله.

فالأوطان لا تتقدم بإنكار مشكلاتها، كما أنها لا تتقدم بتضخيمها.

ولا تُبنى الثقة بتجاهل الملاحظات، كما لا تُحمى بتحويل كل ملاحظة إلى أزمة.

بين هذين الطرفين تقف مساحة واسعة من الحكمة والحزم: أن نرى بوضوح، ونفكر بعمق، ونتحدث بمسؤولية، ونتصرف في الوقت المناسب.

وهذه المساحة هي التي تمنح المجتمع قدرته على عبور التحولات دون أن يفقد بوصلته.

فليس مطلوبًا أن نغلق آذاننا عن العالم، ولا أن نتعامل مع كل اختلاف بوصفه تهديدًا، ولا أن نرفض النقد لمجرد أنه نقد. المطلوب أن نمتلك وعيًا يجعلنا نسمع دون أن نُستدرج، ونناقش دون أن نتخاصم، وننتقد دون أن نهدم، ونختلف دون أن ننقسم.

إن الوحدة الوطنية في معناها الأعمق ليست أن نتشابه، وإنما أن يجمعنا ما هو أعمق من اختلافاتنا. والانسجام المجتمعي لا يعني غياب التباين، وإنما يعني أن نمتلك القدرة على إدارته دون أن يتحول إلى شرخ. أما التلاحم العُماني فهو أن تبقى الروابط التي تجمع المجتمع أقوى من موجات الاختلاف العابرة.

وفي زمن تتسابق فيه الأصوات، تصبح القدرة على الإصغاء بوعي قيمة بحد ذاتها.

ليس المطلوب أن نسمع أقل، وإنما أن نفهم أكثر.

وليس المطلوب أن نتحدث أقل، وإنما أن تكون كلماتنا أكثر مسؤولية.

وليس المطلوب أن نتجاهل الضجيج، وإنما ألا نسمح له بأن يعيد ترتيب أولوياتنا، أو أن يختار لنا معاركنا، أو أن يرسم لنا صورة وطننا.

فـالمناعة المجتمعية الحقيقية لا تُبنى بمنع الأصوات، وإنما ببناء إنسان يستطيع أن يسمع الأصوات المختلفة دون أن يفقد قدرته على التفكير.

وهنا تكمن قيمة الهدوء.

أن يكون لدينا ما يكفي من الثقة حتى لا نحتاج إلى إثباتها في كل لحظة.

وما يكفي من الحكمة حتى لا نستجيب لكل استفزاز.

وما يكفي من الحزم حتى نضع لكل قضية حجمها.

وما يكفي من الانتماء حتى ندرك أن الاختلاف، مهما اتسع، لا ينبغي أن يجعلنا ننسى ما يجمعنا.

عُمان لا تحتاج إلى مجتمع لا يختلف، بقدر ما تحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يختلف.

ولا تحتاج إلى أصوات متطابقة، بقدر ما تحتاج إلى عقول متزنة.

ولا تحتاج إلى إغلاق المجال أمام النقاش، بقدر ما تحتاج إلى نقاش أكثر وعيًا ومسؤولية.

فالأوطان التي تعرف بوصلتها لا تبحث عن اتجاهها في كل موجة، ولا تسمح لكل صوت عابر بأن يعيد تعريف أولوياتها.

وفي النهاية، تبقى عُمان أكبر من لحظة، وأعمق من جدل، وأرسخ من أن تكون صورتها رهينة لموجة عابرة في فضاء سريع التغير.

وما يحمي تماسكها الوطني ليس فقط ما تملكه من تاريخ وإرث ومؤسسات، وإنما ما يملكه أبناؤها من وعي بأن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن الكلمة أمانة، وأن النقد يمكن أن يكون بناءً، وأن الاختلاف يمكن أن يكون إثراءً، وأن الحكمة ليست تراجعًا، وأن الحزم ليس قسوة.

فحين يصبح الهدوء قوة، يصبح التريث وعيًا، ويصبح التحقق مسؤولية، ويصبح الاختلاف مساحة للفهم، ويصبح الحزم حماية لما يستحق أن يُحمى.

وعندها لا يكون الهدوء غيابًا للصوت، بل حضورًا للعقل؛ ولا يكون الحزم ارتفاعًا للنبرة، بل وضوحًا في الموقف… لأن عُمان التي تعرف بوصلتها، لا يصنع الضجيج اتجاهها.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img