هناك أيام تمرّ بنا كما تمرّ سائر الأيام، وهناك أيام أخرى لا تنتهي بانتهاء ساعاتها، بل تبقى حاضرة في الذاكرة، تسكن القلب، وتستعيد معها الروح أجمل ما قدمت، وأصدق ما عاشت.
ومن بين تلك الأيام في حياتي الخامس من أكتوبر؛ يومٌ لم يكن بالنسبة لي مجرد تاريخ في التقويم، ولا مناسبة عابرة، وإنما كان يومًا يحمل في قلبي مكانة خاصة، لأنه ارتبط بمحطات مهمة من مسيرتي التربوية، وبسنوات من العطاء والعمل والإخلاص.
في مسيرتي التربوية مررت بمحطات متعددة؛ كنت معلمة، ثم مساعدة مديرة، ثم مديرة مدرسة، ثم باحثة تربوية، وفي كل محطة كنت أؤمن أن التربية ليست وظيفة نؤديها، وإنما رسالة نبني بها الإنسان، ونترك من خلالها أثرًا يمتد إلى ما بعد سنوات العمل.
كنت أرى الطالب مشروع إنسان، وأرى المعلمة شريكة أساسية في صناعة المستقبل؛ لذلك لم يكن عطائي محصورًا في حدود المنهج أو ساعات الدوام، بل كان يمتد إلى احتواء الطالب، وتشجيعه، والإيمان بقدراته، ومساندة المعلمة، والبحث عن كل ما يمكن أن يسهم في تطوير العمل التربوي والارتقاء به.
وحين أصبحت مديرة مدرسة، اتسعت دائرة المسؤولية، فأصبحت لا أحمل همّ الطالب وحده، بل همّ المدرسة بكل تفاصيلها؛ طلابًا ومعلمات وإداريات وأولياء أمور. تعلمت أن القيادة التربوية ليست إصدار قرارات فحسب، وإنما احتواء، واستماع، وتحفيز، وعدل، وقدرة على صناعة بيئة يشعر فيها كل فرد بأنه مهم وله قيمة.
ثم جاءت مرحلة البحث التربوي، فانتقلت من ممارسة التربية في الميدان إلى التأمل فيها ودراستها، والبحث عن السبل التي يمكن أن تجعلها أكثر فاعلية وتأثيرًا.
ولهذا كان 5 أكتوبر يومًا مختلفًا بالنسبة لي؛ لأنه كان يحمل معنى التكريم والتقدير لما قدمته خلال تلك الرحلة الطويلة، ولما بذلته من أجل الطلاب والمعلمات، ولما تركته من أثر في الميدان التربوي.
قال الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[التوبة: 105]
وقال رسول الله ﷺ:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
وما أجمل أن يأتي التقدير بعد سنوات من العمل؛ لا ليمنح الإنسان قيمة، فالقيمة لا تُمنح من الآخرين، وإنما ليقول له إن ما قدمه لم يذهب سدى، وإن هناك من رأى جهده، وشعر بعطائه، واحتفظ بأثره.
أجمل ما في ذلك اليوم
ولعل أجمل ما بقي في ذاكرتي من ذلك اليوم لم يكن التكريم نفسه، ولا الكلمات الرسمية، وإنما كانت تهنئة من إحدى طالباتي.
كانت كلماتها بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت بالنسبة لي أعمق من أي شهادة؛ فقد تحدثت عني كما رأتني هي، لا كما تصفني الأوراق والسجلات.
تذكرت طيبتي، ودفء قلبي، وإبداعي، وما كنت أقدمه لها ولزميلاتها، ثم شكرتني على كل ما قدمته.
تلك الكلمات هزّت شيئًا عميقًا في داخلي.
فماذا يريد المعلم أكثر من أن يسمع، بعد سنوات من العطاء، أن طالبًا لم ينسَ قلبه؟
وماذا تريد المربية أكثر من أن تعرف أن كلمة طيبة قالتها، أو موقفًا احتوت فيه طالبة، أو فرصة منحتها لطالبة لتبدع، قد بقيت في ذاكرتها؟
في تلك اللحظة أدركت أن أعظم تكريم للإنسان ليس ما يُكتب على الدرع، وإنما ما يُكتب في قلوب من مرّوا في حياته.
قد تنتهي المناصب، وتنتهي سنوات العمل، وتُطوى الملفات، لكن ذاكرة الطالب لا تطوي بسهولة الإنسان الذي منحه الأمان، وشجعه، وآمن بقدراته.
ولذلك كانت تهنئة تلك الطالبة بالنسبة لي وسامًا من نوع آخر؛ وسامًا لا يُعلّق على جدار، وإنما يبقى في القلب.
لقد ذكرتني تلك الكلمات لماذا اخترت التربية، ولماذا أحببت الميدان، ولماذا كنت أحرص دائمًا على أن أرى الإنسان قبل الوظيفة، والطالب قبل الدرجات، والقلب قبل اللوائح.
واليوم، وأنا أنظر إلى رحلتي، أجد أن أجمل ما فيها ليس أنني كنت معلمة أو مساعدة مديرة أو مديرة أو باحثة تربوية، وإنما أنني استطعت، ولو في حياة بعض الطلاب والمعلمات، أن أترك أثرًا طيبًا لا يزال حيًا بعد مرور السنوات.
وهنا تكمن قيمة الخامس من أكتوبر بالنسبة لي.
فهو لا يذكرني فقط بيوم تكريمي، بل يذكرني بسنوات من العطاء، وبوجوه أحببتها، وبطالبات لم أنساهن، وبزميلات شاركنني الطريق، وبطالبة اختارت أن تقول لي في ذلك اليوم كلمات لا تزال تسكن قلبي.
لقد تعلمت من رحلتي أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس منصبًا ولا لقبًا، وإنما أثر طيب في حياة إنسان.
قد ينسى الطالب درسًا، وقد تتغير المناصب، وقد تنتهي سنوات العمل، لكن موقفًا صادقًا، أو كلمة تشجيع، أو يدًا امتدت بالمساندة في الوقت المناسب، قد تبقى في ذاكرة إنسان طوال حياته.
وربما لهذا السبب تحديدًا ما زال الخامس من أكتوبر يسكن ذاكرتي حتى اليوم؛ لأنه لم يكرّم المعلمة في داخلي فقط، بل كرّم رحلة امرأة آمنت بالتربية، وأحبت طلابها، وساندت معلماتها، وحملت مسؤولياتها بإخلاص، وآمنت أن الإنسان يستطيع أن يصنع فرقًا أينما كان.
أما كلمات تلك الطالبة، فما زلت أحتفظ بها في زاوية خاصة من قلبي؛ لأنها جاءت من قلب طالبة رأت في معلمتها ما قد لا تراه الأوراق والشهادات.
وهنا أدركت أن أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها المربي، هي أن يقول له أحد طلابه بعد سنوات: كنتِ طيبة القلب، كنتِ مبدعة، وتركتِ في حياتي أثرًا.
تلك الشهادة لا تُعلّق على جدار، ولا تُحفظ في ملف، بل تسكن القلب إلى الأبد.
فشكرًا لكل طالب وطالبة كانوا جزءًا من رحلتي، وشكرًا لكل معلمة شاركتني الطريق، وشكرًا لكل من قدّر عطاءً بذلته بإخلاص.
أما تلك الطالبة التي هنأتني في ذلك اليوم، وقالت لي بصدق ما رأته في قلبي وشخصيتي وإبداعي، فسأقول لها اليوم:
ربما كنتِ تظنين أنكِ كنتِ تهنئينني في يوم المعلم، لكنكِ في الحقيقة منحتِ معلمتكِ أجمل هدية يمكن أن تتلقاها في حياتها المهنية؛ منحتِها يقينًا بأن أثرها لم يذهب سدى.
وهكذا سيبقى 5 أكتوبر بالنسبة لي أكثر من يوم للمعلم؛ سيبقى يومًا أعود إليه كلما أردت أن أتذكر لماذا اخترت التربية، ولماذا أحببت رسالتي، ولماذا كان كل ذلك العطاء يستحق أن يُعاش.
5 أكتوبر… يوم التكريم، ويوم الذاكرة، ويوم اكتشفتُ أن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس منصبًا ولا لقبًا، وإنما قلبًا يتذكره بالخير.
5 أكتوبر… يومٌ لم يمرّ بي فقط، بل ترك في قلبي أثرًا لا يمرّ.
ك.أ.عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس
بنت المنصب


