إبراهيم غواص
باحث في الشؤون القانونية
نعرف جميعًا أن الزواج علاقة عظيمة حثّ عليها ديننا الحنيف في كتابه الكريم، إذ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
وحثّ نبينا الكريم ﷺ على الزواج، فقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج» (متفق عليه).
فالزواج وسيلة للعفاف، وتكوين الأسرة، وإنجاب الذرية الصالحة. ومع ذلك، لا تبدأ كل العلاقات الزوجية المتعثرة بالخلافات؛ فبعضها ينطلق من المحبة والتفاهم والمودة، ثم ينحرف مساره مع مرور السنين، وتتراكم المواقف وحالات سوء الفهم تدريجيًا، فيتراجع الانسجام، ويحلّ الصمت العقابي محلّ الحوار، وتتسع المسافة بين قلبين جمعتهما المحبة يومًا.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الألم وليد موقف واحد، بل نتيجة تجارب ومشاعر متراكمة لم تجد فرصة حقيقية وصادقة للمعالجة، خاصةً إذا لم يتحمّل كل طرف مسؤوليته. ومع مرور الزمن، يبدأ كل منهما في التساؤل داخليًا عن حقيقة العلاقة: هل بقي فيها شيء من المودة والمحبة والاهتمام والتفاهم؟ أم تراكمت الأسئلة حتى باتت بلا إجابات؟
وقد تتأثر الحالة النفسية والمزاجية للزوجين بالظروف المادية، يسرًا وعسرًا، فتتسع الفجوة بين توقعات كلٍّ منهما، وفقًا لرؤيته وطبيعة شخصيته، وبين ما يعيشه فعليًا، خاصةً حين لا يفهم كل طرف مشاعر الآخر واحتياجاته ومطالبه. ومع غياب هذا الفهم، تصبح الأقوال والتصرفات بابًا لسوء الظن، وتتحول الأسئلة المعلّقة في خاطر الزوجين، التي لم تجد إجابات واضحة وصريحة، إلى مصدر للقلق والابتعاد.
وقد تزيد ضغوط الحياة وتقلبات الزمن من تعقيد الخلافات السابقة، فيجد الطرفان نفسيهما أمام تحديات جديدة تزيد الأمور صعوبة، وتمسّ جوهر العلاقة، وتعيق قدرتهما على مواجهة الأزمات معًا.
ومع غياب التعاون أو ضعفه، قد يختار أحد الطرفين الصمت والابتعاد إيثارًا للهدوء، بينما ينتظر الآخر مبادرة تعيد العلاقة إلى مسارها الطبيعي. وهكذا تتسع المسافة بينهما، لا لأن المشاعر قد نفدت بالضرورة، بل لأن التعبير عنها وإصلاح ما تصدّع يصبحان أكثر تعقيدًا وصعوبةً مع مرور الزمن.
ولا يعني فتور المودة حتمًا نهاية العلاقة، كما أن استمرارها لا يضمن وحده عودة الاستقرار والسعادة مستقبلًا، ولا يكفي إظهار توافق زائف أمام المجتمع لإخفاء ما تعانيه العلاقة في داخلها.
فالعلاقة المتوازنة تحتاج إلى احترام متبادل، ومودة، وقدرة على الاعتذار، واستعداد حقيقي لتغيير السلوكيات التي تؤذي أحد الطرفين.
فالحياة الزوجية لا يستطيع حمايتها وإنقاذها طرف واحد فقط، ولا ينبغي لأحد الزوجين التمسك بأخطاء الماضي واستحضارها في كل خلاف، بل يجدر بهما التذكير بمحاسن الماضي، والتحلي بالصبر، والتغاضي عن الهفوات. إنها مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة صادقة وجادة للإصلاح، خاصةً في وجود الأبناء، وحوارًا ناضجًا بعيدًا عنهم، وخطوات عملية تعيد بناء الثقة، وتمنح العلاقة شمسًا جديدة من التآلف تبدّد ظلام الجفوة.
وفي النهاية، لا يتمثل السؤال الأهم في معرفة من أخطأ أكثر أو من تسبب في المشكلات، بل في مدى استعداد الزوجين لاحتواء بعضهما بعضًا، وجبر الخواطر، وتجاوز الخلافات والهفوات والأخطاء، وبناء علاقة أكثر ثباتًا واستقرارًا، تحفظ مستقبل الأسرة وتماسكها.
فبعض العلاقات تستعيد عافيتها حين يبادر الطرفان إلى لمّ الشمل والإصلاح، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى التريث والتعقل، وانتظار ساعة الهدوء لاتخاذ قرارات حصيفة وشجاعة تحفظ لكل طرف توازنه وكرامته.
ونختم بالآية الكريمة التي لو استحضرنا معناها وعملنا بها، لكانت نبراسًا في إصلاح كثير من العلاقات الزوجية. قال تعالى:
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].


