لماذا يريد الجميع نفس الوظيفة؟

نشرت :

كان حمدان كلما جلس مع أهله وسألوه عن الوظيفة، يجاوبهم بنفس الجواب: «أريد وظيفة حكومية، راتب ثابت، إجازات معروفة، وتقاعد أضمن فيه مستقبلي». أبوه ينصحه ينتظر، وأمه تدعي له، وخاله يذكّره بابن عمه الذي توظف حكوميًا وصارت حياته، حسب وصف الخال، “في السليم”. أما يوم جاه عرض من شركة خاصة، رد بثقة: “ما أريد أضيّع مستقبلي”. كأن القطاع الخاص مشروع لتضييع المستقبل، لا فرصة لبنائه!
لكن حمدان ما صنع هذه القناعة وحده. من صغره يسمع أن الوظيفة الحكومية أمان، والقطاع الخاص مخاطرة، والعمل الحر وجع رأس. وفوق ذلك، هناك عرف اجتماعي غير مكتوب يجعل الوظيفة الحكومية، في نظر بعض الأسر، شرطًا للقبول بالزواج. وإذا قال الشاب إنه يعمل في شركة خاصة، تبدأ الأسئلة عن الراتب والتقاعد والاستقرار، أما إذا كان صاحب مشروع صغير، فقد يأتيه السؤال الذي يختصر سنوات من العمل: “يعني ما عندك وظيفة؟”. وكأن الإنسان لا يصبح مسؤولًا إلا إذا حمل مسمى وظيفيًا ترضى عنه لجنة المجلس!
هنا يفسر لنا الاقتصاد السلوكي جزءًا من المشكلة: الإنسان لا يختار دائمًا الفرصة الأعلى قيمة، بل قد يختار ما يقلل خوفه من الخسارة ويحفظ مكانته الاجتماعية. تحيز الوضع القائم يجعله يفضّل الطريق المعروف، والنفور من الخسارة يجعله يبالغ في مخاطر البدائل، بينما تدفعه الأعراف إلى تكرار اختيارات الآخرين حتى لو لم تناسب قدراته وطموحاته.
لكن لا يصح أن نلوم الشباب وحدهم؛ فبعض مخاوفهم واقعية. في بعض مؤسسات القطاع الخاص، يجد الموظف العماني نفسه خارج دوائر المعرفة والقرار، بينما تحتفظ مجموعات مهنية مغلقة بالخبرة والعلاقات والصلاحيات. وقد يُطلب منه أن يمتلك الخبرة قبل أن يُمنح الفرصة لاكتسابها، وأن يتحمل مسؤولية النتائج دون أن يحصل على أدوات النجاح. وعندما لا توجد مسارات واضحة للتدريب والترقي، يصبح تردده مفهومًا، لا دليلًا على ضعف طموحه.
وليس المقصود اتهام الوافدين أو الشركات الأجنبية بالجملة؛ فالكفاءات الوافدة شريك مهم في تطوير الاقتصاد. المشكلة في أي ممارسة تحتكر المعرفة أو تحجب الفرص أو تعطل نقل الخبرة، مهما كانت جنسية من يمارسها. فالإحلال الحقيقي ليس تغيير اسم الموظف على الباب، بل نقل المعرفة والصلاحيات والقدرة على اتخاذ القرار، ومحاسبة المؤسسة على النتائج لا على عدد الأسماء العمانية في كشوفها.
فما الحل؟ أولًا، على مؤسسات القطاع الخاص أن تقدم مسارات مهنية واضحة، وتدريبًا عمليًا، ومعايير شفافة للترقية، وتفويضًا تدريجيًا للصلاحيات. ويجب أن تقيس الجهات المعنية نسبة الاحتفاظ بالعمانيين، وتطور مهاراتهم، وانتقالهم إلى مناصب القرار، لا نسبة التعمين وحدها. ثانيًا، يمكن للجامعات وأصحاب العمل توفير فرص تدريب مدفوعة وتجارب مهنية قصيرة قبل التخرج، حتى يختبر الشاب القطاع الخاص قبل أن يلتزم بمسار كامل، وتقل الفجوة بين الدراسة والعمل. ثالثًا، ينبغي توسيع أدوات الحماية من مخاطر الانتقال الوظيفي، حيثما كانت مناسبة، عبر التأهيل والتدريب ودعم الأجور المرتبط بنتائج قابلة للقياس.
أما الأسرة والمجتمع، فالمطلوب ليس التقليل من قيمة الوظيفة الحكومية، بل التوقف عن اعتبارها المعيار الوحيد للاستقرار. فصاحب المشروع الذي يدير دخله بمسؤولية، والموظف الذي يطور مهاراته، والمستقل الذي يبني قاعدة عملاء مستقرة، جميعهم يمارسون عملًا حقيقيًا. وفي الزواج، ينبغي أن يكون التقييم قائمًا على الأخلاق والمسؤولية والنضج والقدرة الواقعية على بناء أسرة، لا على المسمى الوظيفي وحده.
وبالنسبة إلى حمدان، السؤال الأهم ليس: “أي وظيفة تضمن لي الأمان اليوم؟”، بل: “أي فرصة تبني قدرتي على كسب الدخل والنمو بعد خمس سنوات؟”. عليه أن يقارن المهارات التي سيكتسبها، والمسؤوليات التي سيتولاها، وفرص التقدم، واستقرار الدخل، لا أسماء الوظائف فقط. وعلى أصحاب العمل، في المقابل، أن يثبتوا أن توظيف العماني استثمار في قدرته، لا مجرد استيفاء لنسبة مطلوبة.
وفي نهاية المطاف، عاد حمدان إلى البيت وقال للوالد: “جاني عرض من شركة خاصة، وفيه تدريب ومسار واضح، وأريد أدرسه”. سأله أبوه: “زين، بس عندهم تقاعد؟”. وقبل أن يجيبه، تدخل خاله: “وعاد إذا بغيت تخطب، ايش بتقول لأهل البنت؟”. عندها اكتشف حمدان أن أصعب مقابلة توظيف ليست مع مدير الشركة؛ بل مع سوق عمل قد لا يمنحه المعرفة، ومجتمع قد لا يمنحه المكانة، وأسرة تريد له الأمان لكنها قد تحصره في طريق واحد!
الخلاصة: لا نريد أن ندفع الشباب من خوف إلى خوف آخر، ولا أن نطلب منهم المغامرة في سوق لا يوفر فرصًا عادلة. نريد قطاعًا خاصًا ينقل المعرفة ويفتح مسارات التقدم، ومجتمعًا يحترم تنوع المهن، وشبابًا يختارون بناءً على القدرة والقيمة لا الخوف والمكانة.

فالاقتصاد لا يقوى عندما يتنافس الجميع على الوظيفة نفسها، بل عندما تتعدد المسارات التي يستطيع المواطن أن ينجح من خلالها.

عبدالله بن محمد العبري
باحث في الاقتصاد السلوكي

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img