ما وراء المشهد
د. إسماعيل جابر
أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب
ما الذي يجعل مكانًا ما قادرًا على تحويل تاريخه إلى فرصة لمستقبله؟ أهي معالمه القديمة، أم موقعه الجغرافي، أم ما يختزنه من موارد وخبرات إنسانية؟ لعل الإجابة تكمن في اجتماع هذه العناصر، حين لا يُنظر إلى الماضي باعتباره حكاية انتهت، بل رصيدًا يمكن البناء عليه.
في مرباط، يلتقي البحر بالجبل والسهل، وتتجاور ذاكرة التجارة والملاحة والصيد مع ملامح مدينة تتطلع إلى فرص أوسع للتنمية. ومن هنا تبدو الولاية جديرة بقراءة تتجاوز استحضار تاريخها أو وصف جمال موقعها؛ قراءة تسأل عمّا يمكن أن يقدمه هذا التاريخ للحاضر، وكيف تتحول إمكانات المكان إلى فرص يستفيد منها أهله
من الاسم إلى ذاكرة البحر
يرتبط اسم مرباط في بعض الروايات بمرابط الخيل، وهي دلالة تستدعي أسئلة عن موقع الولاية في حركة التجارة القديمة وصلتها بالخيول. لكن من المهم التمييز بين ارتباط المكان بتجارة الخيل أو مرورها به، وبين الجزم بأن تربية الخيول كانت نشاطًا محليًا واسعًا؛ فهذه مسألة تحتاج إلى أدلة تاريخية أكثر تحديدًا.
ولا تختصر قيمة مرباط التاريخية دلالة الاسم وحدها؛ فقد أسهم موقعها الساحلي في ربطها بحركة البحر والتجارة، إلى جانب ما عُرف عن المنطقة من نشاط في صيد الأسماك وتداول اللبان والمنتجات المحلية. وهكذا لم يكن البحر مجرد مساحة تحيط بالمدينة، بل طريقًا للرزق والاتصال بالعالم الأوسع.
ولعل ما يستحق التأمل أن الجغرافيا لا تمنح المكان فرصه بصورة تلقائية؛ إنها تهيئ الإمكانات، بينما يتوقف تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية على ما يُبنى حولها من معرفة وتنظيم واستثمار.
مشهد واحد.. وذاكرة متعددة الطبقات
في يوليو 2024، كانت زيارتي الأولى لمرباط، ثم أصبحت لي مع الأيام صلة بالمكان تتجاوز الزيارة العابرة. ومن المشاهد التي تستوقفني الوقوف عند المسجد الجامع وصلاة الجمعة فيه ؛ فمن هناك تتوزع النظرة بين البحر والفرضة القديمة والسوق والحصن والبيوت التي تحمل ملامح من ذاكرة الولاية.
في مساحة بصرية واحدة، تتجاور مراحل مختلفة: بحر ما زال حاضرًا في حياة الناس، وميناء ارتبط بالعمل والرزق، وسوق كان جزءًا من نبض الحركة التجارية، ومبانٍ تشهد على أن المدن لا تتوقف حكايتها عند مرحلة بعينها.
لكن المشهد يطرح سؤالًا: كيف نحافظ على هذه العناصر بوصفها أجزاء مترابطة من هوية المكان، بدلًا من التعامل مع كل معلم على حدة؟
وتضيف زيارتي لمتحف مرباط بُعدًا آخر إلى هذه القراءة؛ فالمقتنيات التي تجمع بين فترات قديمة وأخرى أحدث تتيح للزائر أن يرى التاريخ في امتداده، لا بوصفه زمنًا بعيدًا منفصلًا عن الحاضر. ويمكن أن تتعزز قيمة المتحف إذا ارتبطت زيارته بمسار ثقافي يضم المعالم التاريخية والسوق والفرضة والحصن، بحيث تصبح الزيارة تجربة تساعد على فهم المكان وأهله وتحولاته.
السوق القديم.. هل تكفي الذاكرة وحدها؟
لا يحتاج المرء إلى كثير من الشرح ليدرك أن السوق القديم وبعض المباني التاريخية في مرباط تحمل آثار الزمن. فما زالت أجزاء قائمة، لكنها تواجه تحديات التدهور والحاجة إلى الصيانة والترميم. وبين تركها تتآكل والتعامل معها باعتبارها مباني ينبغي إعادة بنائها بالكامل، توجد مساحة تستحق الدراسة.
فقد تكون بعض المباني قابلة للترميم وإعادة الاستخدام، بينما تحتاج أخرى إلى تدخل مختلف بحسب حالتها الإنشائية وقيمتها التاريخية وحقوق ملاكها. ومن هنا يمكن أن يبدأ العمل بمسح فني وتوثيق للمباني، ثم تحديد أولويات التدخل، ودراسة إمكان توظيف بعض المواقع في أنشطة ثقافية أو حرفية أو تجارية صغيرة، وفق الضوابط المناسبة.
الفكرة ليست إعادة السوق إلى صورة ماضية يصعب استنساخها، بل استعادة دوره بما يناسب الحياة المعاصرة. فالمكان التراثي لا يستعيد قيمته بمجرد ترميم جدرانه؛ بل حين يجد الناس سببًا للعودة إليه، ويجد أصحاب الحرف والمنتجات المحلية فرصة للعمل فيه، ويشعر الزائر أن ما يراه جزء من حياة حقيقية، لا مشهدًا عابراً
وقد أعادت فعالية «مرافئ اللبان» الانتباه إلى ما يمكن أن يقدمه السوق من إمكانات؛ إذ جمعت بين المنتجات الحرفية والأنشطة الثقافية والتراثية، وأسهمت في استحضار مكانته التاريخية. والتحدي هو التفكير في كيفية البناء على هذا الاهتمام، بحيث لا تظل الحركة مرتبطة بمناسبة موسمية، بل تفتح المجال أمام أنشطة متجددة على مدار العام.
ميناء الصيد.. من الأرقام إلى السؤال.
إذا كان التاريخ قد منح مرباط صلة بالبحر، فإن الصيد يظل أحد وجوه هذه الصلة في الحاضر. وحجم النشاط السمكي في الولاية يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول العلاقة بين احتياجات الصيادين والإمكانات المتاحة لهم.
وأمام هذه المعطيات، يبرز سؤال يستحق التأمل: إذا كان النشاط السمكي في مرباط بهذه الأهمية، أفلا يستحق ميناء الصيد أن تُدرس احتياجاته من التوسعة والتحديث بما يتناسب مع طبيعة هذا النشاط وحجمه؟
لا يعني ذلك افتراض أن التوسعة هي الحل الوحيد، أو أن احتياجات الميناء معروفة سلفًا؛ بل إن الخطوة الأولى هي دراسة الواقع الفعلي، من حيث حركة القوارب والسفن، واحتياجات الصيادين، ومرافق إنزال الأسماك وفرزها وحفظها وتسويقها، ومدى الاستفادة من التقنيات الحديثة في هذه العمليات.
فالميناء ليس مجرد مساحة ترسو عندها القوارب، وإنما جزء من سلسلة اقتصادية تبدأ بالصيد ولا تنتهي عند وصول المنتج إلى المستهلك. وكل تحسين مدروس في هذه السلسلة يمكن أن ينعكس على جودة المنتج وكفاءة العمل والفرص المتاحة للعاملين في القطاع.
وهنا تتضح الصلة بين التاريخ والتنمية: فكما كان البحر مجالًا للحركة والتبادل، يمكن أن يظل مصدرًا لفرص اقتصادية أوسع، إذا جرى التعامل مع إمكاناته بمنهج يجمع بين المعرفة والتخطيط واحتياجات الناس.
الواجهة البحرية والمدينة التي تتجدد
لا تنفصل صورة الميناء عن الواجهة البحرية المحيطة به. فالبحر الذي يحمل قيمة اقتصادية يمتلك أيضًا قيمة اجتماعية وسياحية؛ إذ يمكن أن يكون فضاءً للقاء والتنزه، ومجالًا يستمتع فيه السكان والزوار بالمكان.
ومن هنا تبدو دراسة تحسين بعض أجزاء الواجهة البحرية، من حيث التشجير الملائم للبيئة المحلية والإنارة ومسارات المشي، وربطها بالمواقع التاريخية القريبة، فرصة للجمع بين جمال المشهد وحيوية المدينة. ولا يتعلق الأمر بإضافة عناصر متفرقة، بقدر ما يتعلق بتكوين مساحة مترابطة تجعل السوق والفرضة والحصن والبحر أجزاء من تجربة واحدة.
وفي المقابل، فإن التحسن الملحوظ في رصف بعض الطرق الداخلية يمثل جانبًا إيجابيًا من تطور البنية الأساسية. ويمكن أن تزداد فائدته حين يتكامل مع العناية بالأحياء القديمة والممرات المؤدية إلى المواقع التراثية، بما يسهل الوصول إليها ويحسن صلتها ببقية المدينة.
فالتنمية التي يلمسها الناس ليست مشروعًا واحدًا فحسب؛ إنها مجموعة من التحسينات المتصلة التي تجعل الحركة أسهل، والمكان أكثر راحة، والفرص أقرب إلى السكان.
من جمال المكان إلى فرص أهله
تملك مرباط مقومات يمكن أن تدعم السياحة، من موقعها الساحلي إلى قربها من الطبيعة الجبلية، وما يحيط بها من ذاكرة تاريخية وثقافية. وقد لفت انتباهي، من خلال أحاديث الزملاء واستفساراتهم عن الشقق السكنية خلال موسم الخريف، وجود اهتمام بالإقامة في الولاية. وهذه ملاحظة شخصية لا تكفي وحدها لقياس حجم الطلب السياحي، لكنها تفتح سؤالًا عن كيفية الاستفادة من هذا الاهتمام بصورة منظمة.
فهل يمكن أن تتوسع فرص الأسر وأصحاب المشروعات الصغيرة في تقديم خدمات الإقامة والضيافة والمنتجات المحلية؟ وهل يمكن ربط زيارة المواقع التراثية بالمتحف والسوق والواجهة البحرية، ضمن تجربة تعرّف الزائر بتاريخ مرباط وحياة أهلها؟
إن نجاح مثل هذه الأفكار لا يعتمد على جذب الزائر وحده، بل على أن تعود فائدتها إلى المجتمع المحلي، وأن تُراعى خصوصية المكان واحتياجات سكانه، وأن تُبنى المشروعات على دراسة واقعية لا على التوقعات وحدها.
وقد يكون من المفيد النظر إلى مرباط بوصفها أكثر من وجهة موسمية؛ فالمدن التي تمتلك تاريخًا وبحرًا وطبيعة قريبة تستطيع، بالتخطيط المتوازن، أن تقدم أسبابًا للزيارة في أوقات مختلفة من العام.
المكان ذاكرة إنسانية أيضًا
ومهما اتسعت القراءة التاريخية والجغرافية، تبقى قيمة المكان في الإنسان الذي عاش فيه، وحافظ على ذاكرته، وفتح أبوابه للآخرين
منذ وصولي إلى ظفار، وجدت في التعامل اليومي مع أهلها ما يجعل الحديث عن المكان حديثًا عن الناس أيضًا. ولا أستطيع أن أتحدث عن تجربتي في مرباط دون الإشارة حب أهلها إلى الأستاذ السوداني فتح الرحمن مصطفى حجازي، الذي أمضى سنوات طويلة في التعليم بمدرسة ابن خلدون، وأسهم في تعليم أجيال من أبنائها. فمثل هذه التجارب تذكّرنا بأن تاريخ المدن لا تصنعه المباني والتجارة وحدهما؛ بل تصنعه كذلك علاقات الناس وما يتركونه من أثر في حياة بعضهم بعضًا.
كما أقدّر ما وجدته شخصياً من طيب التعامل وحسن الاستقبال والاحتواء لدى أسرة الشيخ محمد أحمد انظور الحكماني، والشباب وأهالي مرباط، وأهل ظفار عمومًا. وهي معانٍ لا تُقاس بالأرقام، لكنها تمنح المكان بُعده الإنساني، وتؤكد أن التنمية الأكثر رسوخًا هي التي تحترم الناس وتستند إلى مشاركتهم.
حين يصبح الماضي بداية للمستقبل
لا تحتاج مرباط إلى أن تختار بين تاريخها ومستقبلها؛ فالتحدي الحقيقي هو أن تجعل أحدهما سندًا للآخر. فالاسم يحمل دلالته، والبحر يواصل حضوره، والمتحف يحفظ شواهد من الذاكرة، والسوق القديم يطرح سؤال الترميم وإعادة الاستخدام، وميناء الصيد يفتح مجالًا للتفكير في تطوير النشاط الاقتصادي، فيما تمنح الطبيعة والمواقع التاريخية فرصًا يمكن دراستها سياحيًا وثقافيًا.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج يحتاج إلى رؤية تربط أجزاء المكان بعضها ببعض، وتوازن بين حفظ التراث وتلبية احتياجات الحاضر، وبين جذب الزوار وتحقيق منفعة مستدامة لأهل الولاية.
ولعل السؤال الذي تتركه مرباط أمامنا ليس كيف نستعيد الماضي كما كان، بل كيف نوصل ذاكرته بحياة الحاضر؟
فكيف يمكن أن تتحول ذاكرة مرباط البحرية والتجارية إلى فرص تنموية مستدامة، تحفظ خصوصية المكان وتفتح أمام أبنائها آفاقًا جديدة؟
ذلك سؤال لا تجيب عنه الكتابة وحدها، لكنها تستطيع أن تفتح بابه؛ فحين نقرأ المكان بعين التاريخ، ونراه بوعي الحاضر، قد نكتشف أن بعض مفاتيح المستقبل موجودة بالفعل في ذاكرته.




