الحكاية الشعبية الظفارية.. ذاكرة المكان وسفيرة الزمان

نشرت :


الحكواتية والكاتبة/ ثمنة الجندل


تزخر ظفار بتراث شفاهي متنوع، في غاية الروعة والثراء، تتصدره الحكايات الشعبية، أو ما نطلق عليه محليًا «الحزايات»، التي كانت في الماضي مصدرًا للمعرفة والتربية والتعليم والحكمة والتسلية. فمن خلالها تناقلت الأجيال القيم والعادات والتقاليد والسلوكيات، وتعرّفت إلى أساليب حياة الأجداد، وما حملته تجاربهم من دروس وعبر.
لكن مع مرور الزمن وتطور المجتمعات، تراجعت مكانة الحكاية الشعبية، وحلّت محلها وسائل أخرى، مثل الصحف والمسلسلات والأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تقدم رواة الحكايات في العمر، ورحل بعضهم إلى جوار ربهم، ففقدت المجتمعات جزءًا من ذاكرتها الشفاهية، وكاد الجيل الجديد يُحرم من تلك اللحظة الجميلة التي تبدأ فيها الحكاية بالنداء المألوف: «يا حزاية أحري لكم، والحزن ما هو لكم إلا لخصمكم وعدوكم، ولا يخلى الكلام ولا يطيب إلا بالصلاة والسلام على الحبيب».
ولعل ما يثير الدهشة أن بعض الأطفال واليافعين كانوا يعتقدون أنه لا توجد حكايات شعبية محلية تشبه الحكايات التي يشاهدونها في التلفزيون أو يقرؤونها في الكتب والمجلات. ولم يكونوا يعلمون أن في تراثنا حكايات تلتقي مع الحكايات العالمية في بعض موضوعاتها وأحداثها، مع احتفاظها بروح المكان وخصوصيته؛ فحكاية «سبلة اللؤلؤ» تستحضر بعض ملامح الحكايات التي تتناول الفتاة والأمير، وحكاية «فاطمة النبعة وخواتها السبعة» تذكّر بحكاية الأميرة والأقزام السبعة، فيما تحمل حكاية «فطيمون وعويشون» أوجه شبه مع حكاية سندريلا. وغيرها من الحكايات الشعبية التي تكشف عن ثراء الخيال الإنساني، وكيف تتشابه بعض الحكايات في موضوعاتها، بينما تختلف في تفاصيلها وبيئتها وشخصياتها.
وبتوفيق من الله وفضله، ثم بمساعدة كثير من الأشخاص الذين يستحقون الشكر والتقدير، جمعت نحو خمسين حكاية شعبية محلية، تحمل كل واحدة منها مغزى وعبرة وحكمة. وكانت هذه التجربة خطوة مهمة في حفظ جانب من تراث ظفار الشفاهي، وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بأسلوب يقرّبهم من موروثهم ويعرّفهم بقيمته.
وتتميز الحكايات الشعبية الظفارية بتنوع موضوعاتها؛ فمنها حكايات البطولة والشجاعة، والحكايات الدينية والتاريخية، وحكايات الجن والأساطير والسحر، والحكايات الاجتماعية والواقعية، وغيرها من القصص التي تعكس خيال المجتمع وتجربته في الحياة. وهي حكايات مستمدة من البيئات الجبلية والبحرية والصحراوية والسهلية في ظفار، الأمر الذي يمنحها ثراءً في الشخصيات والأحداث والتفاصيل.
ولا تقتصر أهمية هذه الحكايات على ما تحمله من أحداث وعبر، بل إنها تحفظ ذاكرة المكان أيضًا؛ فتذكر الجبال والكهوف والبيوت والأسواق القديمة، وتصف ملامحها وتفاصيل الحياة فيها، حتى وإن غابت بعض تلك الأماكن أو تغيرت معالمها. وهكذا تستعيد الحكاية زمنًا مضى، وتمنح الأماكن التي لم تعد كما كانت حياة جديدة في ذاكرة المستمع.
كما تمثل الحكاية الشعبية مرآة للهوية الوطنية والثقافية والاجتماعية، بما تتضمنه من لهجة وأمثال وأهازيج وموسيقى وعادات وتقاليد وملابس وتفاصيل يومية. وهذه العناصر مجتمعة تمنح الحكاية روحها المحلية وخصوصيتها التي يصعب استنساخها أو تعويضها.
ومن الجميل أن الحكاية الشعبية في ظفار بدأت تستعيد جانبًا مهمًا من مكانتها؛ فأصبح الصغير والكبير يرددون من جديد «يا حزاية أحري لكم»، وعادت الحكاية تحضر في التجمعات الثقافية والتربوية والتعليمية والاجتماعية، وتجد لها مكانًا في المهرجانات والفعاليات المختلفة. وهو ما يمنحنا الأمل في أن يظل هذا الموروث حيًا، ينتقل من جيل إلى جيل، لا بوصفه مادة من الماضي فحسب، بل مصدرًا للإبداع والتجديد.
وتفتح الحكايات الشعبية الظفارية آفاقًا واسعة أمام الكتّاب والمهتمين بالسينما والمسرح، بما تزخر به من أحداث وشخصيات وصراعات ومواقف إنسانية، تصلح لأن تتحول إلى أعمال فنية تحمل نكهة المكان وخصوصيته، وتقدم الثقافة المحلية إلى جمهور أوسع.
فالحكاية الشعبية ليست ماضيًا انتهى، ولا كلمات تُروى للتسلية فقط؛ إنها ذاكرة حية، ومخزون من الحكمة والقيم، ومصدر للإلهام، وقادرة على السفر عبر الزمان والمكان، لتكون سفيرة لظفار، تنقل ملامح أرضها، وعادات أهلها وتقاليدهم، وأسلوب حياتهم، إلى العالم.
فما أجمل أن نحفظ حكاياتنا، ونرويها لأبنائنا، ونمنحها فرصة جديدة للحياة؛ فالأمم التي تعرف كيف تروي حكاياتها، تعرف كيف تحفظ هويتها وتعرّف العالم بنفسها.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img