أحمد الحضرمي
تأتي لحظة بينك وبين نفسك، تتأمل فيها شروق الشمس أو غروبها، فتقول: سبحان الخالق! تراقب السحاب وهو يتشكّل في السماء، وترفع عينيك نحو القمر، وربما تتوقف أمام البحر أو الجبال، فتشعر أن في هذا الوجود ما يستحق التأمل أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصف.
وقد تسمع إنسانًا يتحدث بلغة لا تعرفها، فتتساءل: كيف تعلّمها؟ وكيف استطاع الإنسان أن يحوّل أصواتًا إلى كلمات، وكلمات إلى معانٍ يتبادلها مع الآخرين؟ وتمرّ في مكان ما، فتستوقفك رائحة عابرة، فإذا بها تعيدك إلى سنوات مضت، وتستحضر في داخلك وجوهًا وأماكن ومشاعر ظننت أنك نسيتها. كيف تستطيع رائحة أن تعيد إلينا زمنًا كاملًا؟
تأمل شعاع الشمس حين يتسلل من نافذة، وكيف يكشف في مساره جزيئات الغبار العالقة في الهواء. أشياء صغيرة لا نكاد نراها، حتى يأتي الضوء فيجعلها مرئية، فنكتشف أن ما حسبناه فراغًا كان ممتلئًا طوال الوقت.
وقد يكون رذاذ خريف ظفار كافيًا لأن يوقظ في الإنسان شعورًا يصعب عليه وصفه؛ قطرات تلامس الوجه، ونسيم يمر بالجسد، ولحظة يشعر فيها أن العالم ليس مجرد مكان يعيش فيه، بل وجود يشارك فيه بكل حواسه.
ثم انظر إلى مشهد آخر: عائلة تودّع فقيدها في المستشفى، وعلى مقربة منها أب يحمل طفله المولود حديثًا، وتشرق الفرحة على وجهه. في المكان نفسه، يتجاور الحزن والفرح، والفقد والبداية، ويواصل كل منهما حضوره دون أن يلغي الآخر. كم من المعاني تختبئ في مشاهد نمرّ بها، وكم من الأسئلة يمكن أن يفتحها مشهد واحد إذا توقفنا أمامه قليلًا!
وهنا يلحّ السؤال: لماذا لا نندهش أمام كل هذا؟
ربما لأننا اعتدنا الأشياء حتى ألفنا وجودها، وربما لأننا خلطنا بين معرفة أسمائها وفهم حقيقتها. نعرف أن الشمس تشرق كل صباح، وأن القلب ينبض، وأن الرائحة قد تستحضر ذاكرة بعيدة، وأن اللغة تحمل أفكار الإنسان ومشاعره؛ لكن هل تعني معرفتنا بهذه الظواهر أننا أدركنا حقًا ما تنطوي عليه من غرابة وعظمة؟
قد تكون المشكلة أننا لم نعد نسأل. فالدهشة لا تتطلب دائمًا اكتشاف شيء جديد، أحيانًا يكفي أن ننظر إلى الشيء القديم بعين لم تفترض أنها تعرفه بالكامل.
ولذلك يذهب كثيرون إلى الصحراء. يفترشون الرمل ويتأملون لوحة السماء، والنجوم تتلألأ أمام أعينهم والقمر بينها. يذهبون لأن إضاءة المدن وضجيجها حجبت ما كان يُرى بلا جهد؛ فالنجوم فوق المدينة هي نفسها، وإنما تغيّر ما بيننا وبينها.
لكن الصحراء لا تكفي. فهناك من يعيش فيها حقًا، وقد اعتاد المشهد حتى لم يعد يرفع رأسه إليه. وهناك من يقطع الأميال إليها، ثم لا يرى تلك اللحظة، لأنه لم يذهب ليتأمل السماء، وإنما ليبتعد عن ضجيج يومه، وكأنه يبحث عن استراحة محارب. فالمكان قد يهيّئ للدهشة، لكنه لا يضمن حضورها.
ونحن في أيامنا العادية محاطون بما يشغلنا عن النظر: هاتف وتلفزيون وجهاز لوحي وحاسوب تأسر الانتباه، وسيارات وشاحنات وطائرات تملأ الأجواء بضجيج لا ينقطع. وأنا أكتب هذه السطور تعلو في البيت أغنية أطفال، فأخفض الصوت أو أبحث عن مكان آخر لأكمل. أستطيع ذلك مرة، لكنني لا أستطيع أن أخفض صوت العالم كله.
ولم يُفرض علينا هذا العالم فرضًا. لقد قبلنا صفقة: أخذنا السرعة والراحة والاتصال بكل شيء، وكان من بين ما دفعناه قدرتنا على التوقف والتأمل. وأقسى ما في هذه الصفقة أن الثمن لا يُرى حين يُدفع؛ فلا أحد منا شعر في لحظة بعينها أنه فقد شيئًا، وإنما نكتشف بعد سنوات أننا مررنا بأشياء كثيرة دون أن نمنحها حقها من النظر.
ومع ذلك، ليس الضجيج وحده ما يحجب عنا الدهشة. فالإنسان عرف الغفلة قبل الشاشات، وعرف الاعتياد قبل التكنولوجيا. ربما ساهمت هذه الوسائل في تشتيت انتباهنا، لكنها لم تخلق فينا الميل إلى المرور بالأشياء دون تأمل. فالمسألة أعمق من الأجهزة التي نحملها؛ إنها تتعلق بعلاقتنا بما نراه، وبقدرتنا على أن نترك مساحة للأسئلة حتى فيما نظن أننا نعرفه.
فهل نحتاج إلى الصحراء كي نندهش؟ الصحراء تعين، لكن الجواب أقدم منها، وهو في آية من كتاب الله:
«وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ» (يوسف: ١٠٥).
تلفت الآية النظر إلى مفارقة عميقة: أن تكون الآيات حاضرة حول الإنسان، وأن يمرّ بها دون أن يتفكر فيها أو يعتبر. وهي في سياقها تتحدث عن الذين لا يؤمنون، لكن ما تعرضه من صورة الإعراض عن آيات الله يفتح أمامنا بابًا لمراجعة علاقتنا بما نراه ونمرّ به. فنحن أيضًا قد نمرّ على مشاهد الخلق دون أن نتوقف عند دلالاتها، وقد ننشغل بتفاصيل الحياة حتى لا نلتفت إلى ما تحمله من معانٍ.
فالآيات لم تختفِ، والسماء لم تفقد نجومها، والبحر لم يفقد اتساعه، والحياة لم تتوقف عن إظهار غرائبها. لكننا قد نكون فقدنا شيئًا من قدرتنا على الإصغاء إلى هذا الوجود، والتساؤل أمامه، ورؤية ما اعتدنا المرور به.
فكم من الآيات مررنا بها هذا اليوم، ولم نرفع أعيننا إليها؟


