صحيفة اليوم العمانية
القطار الخليجي (أو مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي) هو أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية الإقليمية في الخليج العربي. يهدف إلى ربط الدول الست – الكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات وعُمان – بشبكة سكة حديد متكاملة تمتد على طول 2117 كيلومتر. يبدأ المسار من مدينة الكويت شمالاً، مروراً بالدمام والرياض، ثم يربط البحرين وقطر عبر المنافذ الحدودية، ويمتد شرقاً إلى أبوظبي والعين وصحار، وصولاً إلى مسقط.
إلا أن المشروع، رغم أهميته الاستراتيجية، يواجه تأخيراً ملحوظاً كان من المقرر إنجازه في 2018، ثم تأجل مرات، والموعد الرسمي الحالي (أبريل 2026) هو ديسمبر 2030، وفق تأكيدات الهيئة الخليجية للسكك الحديدية. والسبب الجوهري يكمن في غياب هيئة خليجية تنفيذية ملزمة وقوية. فالمشروع يعتمد على تنسيق بين ست دول، دون وجود جهة مركزية قادرة على إلزام الجميع بجدول زمني موحد. وقد تحول التنفيذ إلى «تجزئة وطنية»، حيث تنفذ كل دولة جزءها الخاص بدلاً من أن يكون مشروعاً إقليمياً متكاملاً.
ويأتي هذا التأخير مدفوعاً أيضاً باختلاف الأولويات الاقتصادية والتنموية بين الدول، وهو ما يتطلب مراجعة عاجلة من الجميع في ظل الظروف الإقليمية والعالمية المتغيرة. فبعض الدول (كالسعودية والإمارات) متقدمة في شبكاتها الوطنية، بينما تواجه أخرى تحديات تمويلية وبيروقراطية وتنافساً مع مشاريع داخلية أخرى. كما ساهمت تقلبات أسعار النفط، وجائحة كورونا، والأزمات السياسية السابقة في تعقيد التمويل والتنسيق الفني والجمركي.
أهميته في السلم: عمود فقري للتكامل الاقتصادي واللوجستي
يُعد القطار الخليجي عموداً فقرياً للتكامل اللوجستي بين دول الخليج. فهو يعزز التجارة البينية من خلال نقل البضائع بتكلفة أقل وزمن أسرع، ويقلل الاعتماد على الشاحنات والطيران في المسافات القصيرة كما يربط الموانئ والمناطق الحرة، ومن المتوقع أن ينقل نحو 95 مليون طن من البضائع سنوياً بحلول 2045.
ويساهم المشروع في تنويع الاقتصاد، وخلق عشرات الآلاف من الوظائف، وجذب الاستثمارات، ودعم رؤى التنمية الوطنية في كل دولة. كذلك يخفف الازدحام المروري وتكاليف صيانة الطرق، ويسهل التنقل بين العواصم والمدن، مما يعزز السياحة والروابط الاجتماعية والثقافية وحرية الحركة للمواطنين والمقيمين. وفي النهاية، يحقق استدامة لوجستية حقيقية، إذ يتكامل مع المبادرات الحديثة ويحول الخليج إلى مركز لوجستي عالمي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
أهميته في الأزمات والطوارئ: شريان حيوي للأمن القومي
من جانب آخر، يكتسب المشروع أهمية استراتيجية وقومية كـشريان حيوي للأمن اللوجستي والاقتصادي، خاصة في ظل التحديات الإقليمية مثل اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر أو أي أزمات أخرى. ففي أوقات الطوارئ، يصبح بديلاً برياً آمناً وسريعاً لنقل الغذاء والدواء والوقود والمواد الأساسية بين الدول، مما يحافظ على استقرار الأسواق والأمن الاقتصادي.
كما يعزز المرونة والصمود، إذ يقلل الاعتماد على الطرق البحرية والجوية المعرضة للتهديدات، ويضمن تدفق السلع الاستراتيجية حتى في أصعب الظروف. ويُعتبر جزءاً أصيلاً من الأمن القومي الخليجي والعربي، ويدعم التكامل الدفاعي من خلال نقل سريع للمعدات والقوى (بما يسمى «الاستخدام المزدوج» للبنية التحتية).
في الخلاصة، ليس القطار الخليجي مجرد وسيلة نقل، بل أداة استراتيجية تحول الوحدة الجغرافية إلى وحدة اقتصادية وعسكرية-لوجستية متكاملة. في السلم يبني الازدهار، وفي الأزمات يضمن الصمود والاستقرار.
حفظ الله دول الخليج وشعوبها وقادتها، وكافة الأوطان العربية والإسلامية من كل سوء.


