مصدر الخبر: الوكالة العمانية
بدأت اليوم أعمال ندوة "القرآن وبناء الإنسان" التي تُنظّمها مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، تحت رعاية معالي السّيد خالد بن هلال البوسعيدي، وزير ديوان البلاط السُّلطاني، وتستمر يومين.
وتهدف الندوة إلى تسليط الضوء على دور القرآن الكريم في بناء الإنسان معرفيًا وأخلاقيًا، واستكشاف إمكانات تفعيل حضوره في صناعة مستقبل إنساني قائم على التربية والقيم والهُوية.
ويشارك في الندوة التي أُقيمت بجامعة السُّلطان قابوس عددٌ من المختصين في علوم القرآن وخدمة الشريعة الإسلامية من داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وألقى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان، كلمة قال فيها إنّ أعظم حدث في التاريخ هو نزول هذا الكتاب العزيز، الذي بصَّر العقول من عماها، وشرف المهتدين به بوصلهم بالحضرة الإلهية، وأنار لهم دروب الحياة، فبيَّن لهم من أين جاء الإنسان، وإلى أين ينتهي، وما يجب عليه من العمل بين المبدأ والمنتهى.
وأضاف سماحته: فكان القرآن الكريم كما وصفه الله تعالى: "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" وكما قال تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، وقال: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين".
وأشار سماحته إلى أنّ القرآن الكريم بدأ به أولًا العرب الأميّون الذين كانوا أشد الناس ضلالًا وأبعدهم عن الرشد، فحوَّلهم إلى أمة فذّة بين الأمم، اهتدت بهم الشعوب وتابعتهم الأمم، فكانوا للإنسانية قادة هدى ورشد، وصدق فيهم قول الله تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".
وأشار سماحته إلى أنه إذا كان القرآن بهذا القدر من العظمة في حياة البشر، فإنه من الضرورة أن تُصاغ الحياة كلها صياغة قرآنية من حيث الفكر والمنهج، وأن يكون المسلمون القدوة للبشر في هذا الأمر العظيم، داعيًا إياهم أن يغوصوا في أعماق القرآن ليستخرجوا منه الحقائق التي لا تزال في طيّ الغموض، وأن يكشفوا من أسراره ما لم يُسبقوا إليه، وأن تُبنى على ذلك المناهج العلمية كلها، حتى يستصحب الإنسان القرآن في جميع مراحل حياته، منذ نشأته إلى آخر لحظة من عمره.
ومن جانبه، قال خليل بن أحمد الخليلي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، في كلمته، إنّ الندوة تهدف إلى بيان أثر القرآن الكريم في بناء الإنسان، وربطه بخالقه، ليكون أهلًا لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، وهو أمر يتطلب تدبرًا عميقًا لكتاب الله تعالى، حتى يتحول إلى حضور فاعل في الوعي، ومؤثر في الوجدان، وبذلك تستقيم رؤية الإنسان للحياة ومآلاتها.
وأضاف أنه عندما تتجلى أنوار القرآن في النفس، يستقيم السلوك، ويثمر البناء والعمران، وتتحقق معاني الهداية. فمتى أُزيلت الحجب عن القلوب، ظهر أثر القرآن في النفوس والواقع، وساد سلطانه وهيمنته. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
وأشار إلى أنه في هذا تبرز مسؤولية أهل العلم والفكر في تعزيز الوعي الجمعي بأهمية الإقبال على القرآن الكريم، بعيدًا عن أي نزعات سطحية أو تصورات منبتّة عن الوحي، إذ إنّ جميع المعارف الإنسانية تظل خاضعة لهدايات القرآن وموازينه.
ولفت إلى أنه لا تزال الإنسانية اليوم تعيش حيرة واضطرابًا بين مناهج فكرية منقطعة عن الوحي، ولا شك أنّ المخرج من هذا الواقع المضطرب إنما يكون بالعودة إلى البوصلة القرآنية، التي تُحقق التوازن بين الروح والجسد، وتصون كرامة الإنسان، وتعزّز بناء الأمة.
وأكد أنّ التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم /حفظه الله ورعاه/ أولت العناية بالقيم الأخلاقية والسلوكية، ونوّهت بأهمية البصيرة المستمدة من العقيدة السمحة التي سار عليها أبناء هذا الوطن عبر العصور، مع ضرورة استلهام الموروث الوطني، والتمسك بمبادئه وقيمه الأصيلة، وانسجامًا مع هذا التوجيه السامي، واستحضارًا لمستهدفات رؤية "عُمان 2040"، لا سيما ما يتعلق بمحور الإنسان والمجتمع، فإن بناء إنسان معتز بهويته، واعٍ بقيمه، متوازن في فكره وسلوكه، يمثل أولوية وطنية كبرى.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في برامج التوعية والإرشاد التي تعزز الوعي القرآني، وهي مسؤولية دينية ووطنية مشتركة، تتكامل فيها أدوار الأسرة ومؤسسات التعليم، إلى جانب مؤسسات الدولة وصناع القرار، من خلال دعم المبادرات والمناهج التي تربط الناشئة بكتاب الله تعالى، وتنشئ أجيالًا قرآنية واعية.
وبيّن أنّ استلهام التجارب الحية في الواقع الإنساني يبرز أثر الارتباط بالقرآن في صمود الشعوب وثباتها، ويؤكّد أنّ الأمة المتصلة بكتاب ربها لا تُقهر، وأنّ القرآن الكريم هو الركيزة الأساسية لبناء الهُوية الراسخة، والمواطنة الصالحة، وإعمار الأرض بالقيم السامية.
وأكدت الجلسة الرئيسة لندوة "القرآن وبناء الإنسان" على مركزية القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا في بناء الفكر الإنساني وضبط العلاقة بين العلم والقيم، مع الدعوة إلى استعادة دوره في توحيد الرؤية الإسلامية وتجاوز الانقسامات الفكرية.
وركزت المداخلات على أهمية التوازن بين الفهم الواقعي للأحداث والالتزام بالمرجعية الأخلاقية، وإعادة توظيف العقل ضمن إطار قرآني يربط بين المعرفة والإيمان، بما يسهم في بناء إنسان متوازن يُسهم في نهضة الأمة.
واستعرض اليوم الأول من الندوة محور مركزية القرآن في مجال المعرفة الإسلامية، حيث قُدِّمت خمس أوراق عمل تناولت آفاق البناء والتكامل بين القرآن الكريم، بوصفه المرجع الأول لبناء الإنسان والحضارة، وبين سائر المناهج التي تُعد مصدرًا للمعرفة الإنسانية.
وتضمنت الأوراق البحثية في هذا المحور ورقة لفضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان، بعنوان: "ضوابط التفسير القرآني وحدود التأويل"، تناول فيها المنهجية العلمية في تفسير القرآن الكريم، محددًا الضوابط التي ينبغي أن يلتزم بها المفسر لضمان سلامة الفهم وحفظ النص من التعسف والتوظيف الأيديولوجي.
كما قدّم الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي ورقة بعنوان: "الرؤية القرآنية لعلم النفس في مواجهة النظريات الوضعية"، قدّمت قراءة نقدية مقارنة بين التصور القرآني للإنسان والنفس وبين النظريات النفسية الحديثة، مبرزة الفوارق المنهجية ومقاصد التربية النفسية وفق المنظور القرآني.
وقدّم الدكتور هلال بن حسن اللواتي ورقة بعنوان: "أدوات المعرفة في القرآن الكريم: نماذج ودلالات"، استعرضت الأدوات المعرفية التي أصلها القرآن الكريم مثل السمع والبصر والحجة والبرهان، موضحة كيف تُشكّل هذه الأدوات البنية العقلية للإنسان العارف.
وجاءت ورقة الإعلامي وضاح خنفر بعنوان: "السياسة الشرعية في عالم متغير: قراءة في قصص الأنبياء"، وقدّمت تصورًا قرآنيًا معاصرًا للسياسة الشرعية من خلال تحليل قصص الأنبياء، مبرزة الأسس الأخلاقية والإدارية التي وجهت حركتهم في إدارة التغيير الاجتماعي.
كما قدّم أفلح بن أحمد الخليلي ورقة بعنوان: "البناء المقاصدي من خلال قصص القرآن"، تناولت مفهوم البناء المقاصدي في قصص القرآن، وبيّنت كيف تسهم هذه القصص في ترسيخ مقاصد الشريعة الكبرى، وبناء الوعي الإيماني والأخلاقي، وتوجيه السلوك الإنساني.
وشهدت الندوة تنظيم ثلاث محاضرات جماهيرية تناولت موضوعات متنوعة في ضوء الرؤية القرآنية؛ حيث قدّم الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار محاضرة بعنوان "مفاهيم قرآنية في البناء والتنمية" بقاعة كلية العلوم الشرعية، فيما قدّم الأستاذ داود أبو سنان محاضرة بعنوان "وقفات قرآنية" بالقاعة الكبرى في المركز الثقافي بجامعة السُّلطان قابوس.
كما ألقى الشيخ المقرئ أبو زيد الإدريسي محاضرة بعنوان "التفاؤل والإيجابية وصلتهما بمفهوم الحرية في الإسلام" بجامع السيدة ميزون بنت أحمد.
وفي سياق متصل، أُقيمت حلقة عمل متخصصة بعنوان "فقه النفس في القرآن الكريم: بناء الوعي والصحة النفسية في الميدان التربوي"، قدّمها الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، واستهدفت الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ومشرفيهم من وزارة التعليم، حيث ركزت على توظيف المنهج القرآني في تعزيز الوعي النفسي والتربوي، وبناء ممارسات مهنية قائمة على القيم والمعرفة المتكاملة.
ويتضمن اليوم الثاني للندوة استعراض محورين، أولهما "بناء الإنسان من الداخل – تحديد الرؤية وتعزيز الهوية"، من خلال سبع أوراق عمل تبحث في دور القرآن الكريم في ترسيخ مفاهيم الحرية والهُوية والانتماء والمواطنة، وتعزيز الوعي النفسي والفكري، وبناء عقل نقدي مبدع قادر على التفاعل مع تحديات العصر.
فيما يتناول المحور الثاني "تجذير الدراسات القرآنية في المؤسسات التعليمية"، عبر أربع أوراق علمية تناقش سبل تفعيل حضور القرآن الكريم بوصفه مرجعية معرفية وأخلاقية في المناهج التعليمية والإعلام، واقتراح آليات عملية لتعزيز دوره في بناء الشخصية المتوازنة وترسيخ القيم والهوية في المجتمع.
ومن المتوقع أن تخرج الندوة بعدد من التوصيات التي تُسهم في تعزيز حضور القرآن الكريم في مختلف مجالات الحياة، ولا سيما في الجوانب التربوية والتعليمية والفكرية، بما يدعم بناء الإنسان المتوازن معرفيًا وروحيًا وسلوكيًا.


