أحمد الفقيه العجيلي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في سلاسل الإمداد الغذائي، وتقلبات الأسواق، وتنامي المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي، يعود سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: إلى أي حد نمتلك في عُمان قدرة حقيقية على تأمين غذائنا، وبناء منظومة إنتاج وطنية تقلل اعتمادنا على الخارج؟
لقد كشفت الأزمات العالمية خلال السنوات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية قد يتحول في لحظات التوتر إلى نقطة ضعف، وهو ما دفع كثيرًا من الدول إلى إعادة النظر في قطاعاتها الإنتاجية الأساسية، وفي مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه السلسلة لتسليط الضوء على واقع الثروة الحيوانية في السلطنة، ليس بوصفها نشاطًا تقليديًا محدود الأثر، بل باعتبارها ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي، والتنمية الريفية، والاستقرار الاقتصادي.
اطلعتُ خلال إعداد هذا المقال على عدد من التقارير الصادرة عن الجهات المختصة، وتشير تقديرات رسمية سابقة إلى أن أعداد الثروة الحيوانية في السلطنة تتجاوز ثلاثة ملايين رأس من الماشية، تشمل الأبقار والإبل والماعز والأغنام. وتتصدر محافظة ظفار أعداد الأبقار، فيما تنتشر الأغنام والماعز في معظم المحافظات، لا سيما الداخلية والوسطى والشرقية، بما يعكس الامتداد الجغرافي لهذا القطاع وأهميته المجتمعية.
ورغم هذا الحضور العددي، فإن الأرقام تكشف عن فجوة واضحة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك. فقد أُعلن خلال عام 2025 عن توفير واستيراد مئات الآلاف من رؤوس الماشية لتغطية احتياجات السوق المحلي، خصوصًا في المواسم الاستهلاكية الكبرى كشهر رمضان وعيد الأضحى، وهو ما يعكس استمرار اعتماد السوق على الاستيراد لتلبية جانب مهم من الطلب المحلي.
ولا تتوقف أهمية الثروة الحيوانية عند بعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى بعدها الاجتماعي والوطني.
فهي مصدر رزق لآلاف الأسر في القرى والولايات، ورافد مهم لإنتاج اللحوم والألبان، كما تسهم في تدوير الموارد الزراعية من خلال الاستفادة من المخلفات العضوية والأسمدة الطبيعية.
وإلى جانب ذلك، تحتفظ تربية المواشي بمكانتها التاريخية في حياة العُمانيين، الذين عرفوا إدارة القطعان والتكيف مع البيئة منذ قرون، حتى غدت الثروة الحيوانية جزءًا من الهوية الزراعية والاجتماعية للبلاد.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي طورت منظوماتها الحيوانية، واستثمرت في تحسين السلالات، وتطوير الأعلاف، وتنظيم الأسواق، استطاعت تعزيز أمنها الغذائي وتقليل هشاشتها أمام الأزمات.
فامتلاك منظومة إنتاج متكاملة لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة سيادية في عالم متغير.
وفي المقابل، ما زالت كثير من الدول العربية، ومنها عُمان، تواجه تحديات مركبة في إنتاج البروتين الحيواني، تتعلق بشح الموارد المائية، وارتفاع كلفة الأعلاف، وتقلبات المناخ، وضعف الربط بين البحث العلمي والتطبيق الميداني. ورغم الجهود الحكومية المبذولة في الدعم والتحصين والإرشاد، فإن الفجوة ما تزال قائمة، وتحتاج إلى مقاربة أكثر شمولًا واستدامة.
إن الحديث عن الثروة الحيوانية اليوم لا ينبغي أن يُختزل في أرقام الإنتاج أو حجم الاستيراد، بل في سؤال أعمق:
كيف ننتقل من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل؟
وكيف يمكن لهذا القطاع، بما يملكه من موروث وخبرات وقدرات، أن يتحول إلى أحد أعمدة الأمن الغذائي الوطني؟
اليوم يجد قطاع الثروة الحيوانية في عُمان نفسه أمام مفترق طرق حاسم. فالأرقام تتزايد، لكن الفجوة مع الاستهلاك ما تزال قائمة، ما يجعل تطوير هذا القطاع ضرورة وطنية لا خيارًا مؤجلًا.
فحين ندرك أن من امتلك غذاءه امتلك قراره، ندرك أن الاستثمار في الثروة الحيوانية هو استثمار في كرامة الإنسان واستقلال الوطن.
يتبع في الجزء الثاني: الأعلاف المحلية بين الندرة والبدائل.


