كوثر بنت سعيد القائدي
شهد القطاع السياحي في سلطنة عُمان تحولًا تشريعيًا مهمًا بصدور اللائحة التنفيذية لقانون السياحة بموجب القرار الوزاري رقم ١١٥٢ / ٢ / ١ / ١٤١ / ٢٠٢٦، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 26 أبريل 2026، وذلك تنفيذًا لأحكام قانون السياحة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 69/2023 . ولا يمكن النظر إلى هذه اللائحة بوصفها مجرد تحديث تنظيمي للائحة السابقة الصادرة عام 2016، بل باعتبارها إعادة صياغة جامعة وشاملة لفلسفة تنظيم القطاع السياحي، وانتقالًا من النموذج التقليدي القائم على منح التراخيص والرقابة اللاحقة، إلى نموذج حديثا وأكثر تطورًا يقوم على الحوكمة القطاعية، والرقابة الرقمية، والتخصص التشريعي، والمسؤولية المالية.
إذ انتقلت هذه اللائحة بالتشريع من مرحلة إدارة النشاط السياحي بوجه عام إلى مرحلة حوكمة القطاع السياحي، كقطاع تنافسي يضمن الاستدامة المالية، ومواكبة البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي والاقتصاد الذكي، وفقاً لخطة التحفيز الاقتصادي المستندة إلى رؤية عمان 2040.
ويتبين من خلال القراءة المتأنية لنصوص اللائحة الحالية أن المشرّع العُماني اتجه صراحة إلى بناء إطار قانوني متكامل يوازن بين هدفين متلازمين: تحفيز الاستثمار السياحي من جهة، وتعزيز الرقابة وحماية المصلحة العامة من جهة أخرى، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز مساهمة السياحة في الناتج المحلي، فضلا عن توظيف المحتوى المحلي.
أولًا: من التنظيم العام إلى التنظيم المتخصص
إن أبرز ما يميز اللائحة التنفيذية لعام 2026 هو انتقالها من عمومية التنظيم للأنشطة السياحية إلى التنظيم القطاعي المتخصص، إذ أن اللائحة السابقة لعام 2016 كانت تعتمد مقاربة موحدة نسبيًا للأنشطة السياحية كافة، في حين جاءت اللائحة الجديدة لتفرد أحكامًا خاصة لأنماط سياحية حديثة تتطلب تنظيمًا مستقلا.
ففي مجال سياحة المغامرات، خصصت اللائحة مواد مستقلة تبدأ من المادة (41)، وألزمت المنشآت المخاطبة بأحكام القانون المشار إليه وهذه اللائحة بالحصول على شهادة تدقيق الأمن والسلامة، وتوفير التأمين ضد المخاطر، فضلًا عن تصنيف الأنشطة وفق طبيعتها، سواء كانت أنشطة برية أو باستخدام معدات خاصة أو مركبات. وإن هذا التوجه يعكس يقينًا إدراكًا تشريعيًا لطبيعة المخاطر الملازمة لهذا النشاط، وما قد ينجم عنه في الممارسات العملية من خسائر وأضرار، وما يقتضيه ذلك من إيجاد تنظيم وقائي صارم.
أما في مجال سياحة الأعمال، فقد استحدثت اللائحة ترخيصًا مستقلًا لهذا النشاط بموجب أحكام المادة (51)، وهو ما يشكل اعترافًا رسميًا بالأهمية الاقتصادية المتزايدة والملحوظة لهذا النوع من الأنشطة، خاصة في ظل التوسع العالمي في صناعة المؤتمرات والحوافز والمعارض، فضلا عن الأهمية المجتمعية لهذا النوع من الأنشطة.
ويؤكد هذا التوجه أن المشرّع العُماني لم يعد ينظر إلى السياحة بما فيها من أنشطة وأنماط متعددة بوصفها قطاعًا ذا طبيعة واحدة، وإنما باعتبارها منظومة اقتصادية متشعبة تضم أنشطة متعددة، يستلزم كل منها إطارًا تنظيميًا خاصًا يتناسب مع خصائصه ومتطلباته القانونية.
ثانيًا: التحول نحو الرقابة الرقمية والامتثال المؤسسي
إن من أهم مظاهر الحداثة في اللائحة الجديدة انتقالها من الرقابة النمطية التقليدية القائمة على التفتيش الدوري إلى الرقابة الرقمية المتزامنة.
فقد نصت المادة (23) على وجوب التزام المنشآت السياحية والفندقية بالربط الإلكتروني مع الوزارة والجهات المختصة، بما في ذلك شرطة عُمان السلطانية، مما يتيح تبادل البيانات بصورة لحظية، وتقليل عدم تماثل المعلومات التي يتم تزويد كل جهاز من أجهزة الدولة بها، ويرفع كفاءة الرقابة، ويقلص قدر الإمكان من التحايل الضريبي، ويحسن دقة البيانات الاحصائية السياحية، ويعزز المتطلبات الأمنية.
كما ألزمت تلك المنشآت بتقديم إقرار سنوي يتضمن بيانات مفصلة لكل الأشهر عن المبالغ السنوية الخاضعة للرسوم السياحية ومقدار الرسم المستحق عنها، وما تم تحصيله منها من عدمه.
كما أوجبت المادة ذاتها على تلك المنشآت تعيين مدقق حسابات خارجي مرخّص، إلى جانب تعيين مدقق حسابات داخلي من قبل المنشأة نفسها، ويعد ذلك ركيزة أساسية في هيكل حوكمة تلك المنشآت، ويدعم زيادة مصداقية التقارير المالية، فضلاً عن إلزامها بتقديم بيانات مالية دورية معتمدة. ويعكس ذلك تحولًا جوهريًا من نطاق الرقابة الإدارية التقليدية إلى نموذج الحوكمة المالية المؤسسية، بما يسهم في الحد من التهرب من الرسوم، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة.
ثالثًا: إعادة تنظيم استغلال الأراضي والمواقع السياحية
استحدثت اللائحة إطارًا قانونيًا أكثر تنظيمًا وتفصيلًا لإدارة المناطق السياحية والأراضي الحكومية المخصصة للمشروعات السياحية، وهو مجال ظل في السابق أقرب إلى المعالجات العامة دون أطر واضحة.
فقد نصت المادة (60) على أن حق الانتفاع ينشأ بموجب عقد يبرم مع الوزارة مخصص لهذا الغرض، وبعد تسجيله لدى أمانة السجل العقاري في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، متضمنا ثمان بيانات إلزامية لا يقوم عقد حق الانتفاع إلا بها؛ بغية تعزيز استقرار المراكز القانونية للمستثمرين ويمنع تجميد الأراضي سنين طوال دون تطوير فعلي، وضمانا لجدية المستثمرين.
كما ألزمت المادة (68) طالب الانتفاع بتقديم ضمان مصرفي يعادل قيمة العقد، وهو إجراء وقائي لضمان حسن تنفيذ العقد كما اتفق عليه الأطراف، ويهدف إلى ضمان الجدية في التنفيذ والحد من ظاهرة تعثر المشاريع السياحية أو الاحتفاظ بالأراضي دون استثمار.
وهذا التنظيم يعكس انتقال السلطنة من دور المانح للأرض إلى دور الشريك الحقيقي في الاستثمار المنظم الذي يربط الامتيازات الاستثمارية بالالتزام الفعلي بالتنمية.
رابعًا: تعمين الوظائف السياحية وربط الترخيص بالإدارة الفعلية
وضعت اللائحة خطة التعمين وتفعيل مفهوم المحتوى المحلي أمام أعينها، إذ حرصت على دعم الكوادر الوطنية في القطاع السياحي، وهو ما يظهر جليا في بعض أحكام الإرشاد السياحي واشتراطات إدارته، إذ نصت المادة (36) على قصر مزاولة الإرشاد السياحي باللغة الإنجليزية على العمانيين فقط، مع تنظيم أحكام تتضمن شروط الترخيص لغير العمانيين. ويهدف هذا التوجه إلى تمكين الكفاءات الوطنية من شغل الوظائف المرتبطة بالهوية الثقافية والتمثيل المحلي لسلطنة عمان.
كذلك ربطت المادة (75) من اللائحة استمرارية الترخيص بوجود مدير مسؤول عن المنشأة، واعتبرت شغور هذا المنصب لمدة تتجاوز ستين يومًا سببًا قانونيًا لإصدار قرار من وزير التراث والسياحة أو من يفوضه بإلغاء الترخيص، وهذا الأمر يعكس مدى أهمية الدور الذي يقوم به المدير المسؤول عن المنشأ والذي ينصرف إلى المدير المعني بإدارتها.
خامسًا: التحول من الغرامات الرمزية إلى الردع المالي
أعادت اللائحة الجديدة هيكلة سياسة العقاب بمنظومة الجزاءات الإدارية والمالية على نحو أكثر صرامة وفاعلية، بحيث لم تعد الغرامات مجرد تدابير شكلية غير رادعة، وإنما غدت وسائل ردع قانونية تستهدف تحقيق الامتثال القانوني ومنع المخالفات قبل وقوعها.
فقد قرر الملحق رقم (5) جزاءات مالية تصل إلى (6000) ريال عُماني عن بعض المخالفات لأحكام اللائحة، مع إعمال مبدأ تشديد الجزاء عند العود من خلال مضاعفة الغرامة في حال التكرار، وهو ما يجسد تبني المشرّع لسياسة جزائية قائمة على الردع التصاعدي ومواجهة المخالفات المتكررة بحزم أكبر.
كما نصت المادة (9) حالة التأخير في تقديم طلب تجديد الترخيص على استيفاء غرامة تأخير بنسبة (١٠٪) عشرة في المئة من قيمة الرسم عن كل شهر تأخير اعتبارا من الشهر التالي لانتهاء مدة الترخيص مع جبر كسر الشهر إلى شهر كامل، بما يشكل وسيلة ضغط مالية فعالة تسهم في تعزيز الانضباط الإداري والالتزام بالمواعيد المحددة.


