حين تصبح الوظيفة دوامًا… ويصبح الإنجاز غائبًا

نشرت :

محمد بن زاهر العبري

هناك سؤال يجب أن يُطرح بجرأة:
كم النسبة الحقيقية التي يمنحها بعض المسؤولين لوظائفهم؟
هل يؤدي عمله بنسبة تتجاوز 70% كما يقتضي المنصب والأمانة؟
أم أن الوظيفة أصبحت مجرد بطاقة تعريف، بينما 70% من وقته واهتمامه وتفكيره يذهب لتجارته الخاصة ومصالحه الشخصية؟

المشكلة ليست في أن يكون للمسؤول تجارة أو استثمار، فهذا حق مشروع، لكن الكارثة حين يتحول المنصب إلى “واجهة اجتماعية” فقط، بينما الإنجاز غائب، والقرارات بطيئة، والمراجعين يدورون في حلقات مفرغة، والمشاريع تراوح مكانها.

بعضهم أتقن فن الظهور أكثر من فن الإدارة.
تجده حاضرًا في كل صورة، وفي كل مناسبة، وفي كل تغطية إعلامية، لكن حين تبحث عن أثر حقيقي على أرض الواقع لا تجد إلا الشعارات.
الكاميرا تعرفه جيدًا… أما الإنجاز فلا يكاد يعرف اسمه.

الوظيفة العامة ليست منصة للشهرة، ولا مقعدًا للوجاهة الاجتماعية، ولا بوابة لتوسيع العلاقات التجارية.
المنصب مسؤولية ثقيلة، والناس لا تقيس المسؤول بعدد الصور، بل بعدد الملفات التي أنجزها، والأبواب التي فتحها، والحقوق التي حفظها، والخدمات التي حسّنها.

هناك فرق كبير بين مسؤول “مشغول” ومسؤول “منتج”.
الأول يقضي يومه في الاجتماعات والاستقبالات والتصوير والظهور، والثاني يصنع أثرًا حتى لو كان بعيدًا عن الأضواء.
الناس لا تريد مسؤولًا يتقن التصريحات… بل تريد مسؤولًا يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

والسؤال الذي يتكرر في المجالس:
إذا كان بعض هؤلاء لا يملكون إنجازات واضحة، ولا تطويرًا ملموسًا، ولا حضورًا فعليًا في الميدان… فلماذا هم في هذه المناصب أصلًا؟
هل أصبحت المعايير قائمة على الواجهة بدل الكفاءة؟
وعلى العلاقات بدل النتائج؟

المؤسسات لا تنهض بالمظاهر، بل برجال يمنحون وظائفهم كامل تركيزهم وطاقتهم.
فالمنصب الذي يُدار بعقل منشغل خارجه، لن ينتج داخله شيئًا يُذكر.

وفي النهاية، التاريخ الإداري لا يخلّد من ظهر كثيرًا…
بل يخلّد من أنجز بصمت، وترك أثرًا يتحدث عنه الناس حتى بعد رحيله عن الكرسي…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img