كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي
صحار/ السبت ٩/٥/٢٠٢٤
تشهد السمات القيادية تحوّلًا مستمرًا عبر الأجيال، متأثرةً بالسياقات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي نشأ فيها كل جيل. ومن جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers) إلى جيل ألفا، يمكن ملاحظة اختلافات عميقة في أساليب القيادة، وأولوياتها، وطبيعة التأثير.
يتميّز جيل الطفرة السكانية بقيادة تقليدية تميل إلى الهرمية والانضباط، حيث تُبنى السلطة على الخبرة والتدرّج الوظيفي. هذا الجيل يؤمن بالعمل الجاد والولاء المؤسسي، وغالبًا ما يتبنى أسلوب القيادة التوجيهي. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال نماذج قيادية مثل Jack Welch الذي جسّد القيادة الحازمة القائمة على الأداء والانضباط المؤسسي، أو Warren Buffett الذي يعكس الحكمة والاستقرار طويل الأمد في اتخاذ القرار. وعلى الصعيد العربي الاقتصادي، يمكن الإشارة إلى سليمان الراجحي الذي مثّل نموذجًا في القيادة المالية المحافظة المبنية على الثقة والاستدامة، وكذلك أنسي ساويرس الذي جسّد روح البناء الاقتصادي طويل الأمد.
أما جيل X، فقد نشأ في ظل تحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، مما جعله أكثر استقلالية ومرونة. يتسم قادته بالبراغماتية والقدرة على التكيّف، مع ميل نحو تحقيق التوازن بين العمل والحياة. القيادة هنا أقل رسمية وأكثر اعتمادًا على النتائج. ومن أبرز الأمثلة Elon Musk الذي يجسد روح الابتكار والمخاطرة، وSatya Nadella الذي أعاد تشكيل ثقافة شركة عملاقة عبر قيادة مرنة وإنسانية. وفي العالم العربي والاسلامي، يمكن إبراز ناصف ساويرس كنموذج لقيادة استثمارية عالمية، وكذلك يوسف علي الذي بنى إمبراطورية تجارية عابرة للحدود من خلال رؤية مرنة وتوسعية.
جيل الألفية (Millennials) أدخل مفهوم القيادة التشاركية إلى الواجهة، حيث يُفضّل العمل الجماعي، والتواصل المفتوح، وإشراك الفرق في صنع القرار. هذا الجيل يركّز على القيم والمعنى، ويبحث عن أثر يتجاوز الربح المادي. ومن أمثلته Mark Zuckerberg الذي أعاد تعريف التواصل الاجتماعي، وBrian Chesky الذي بنى نموذجًا قياديًا قائمًا على المجتمع والثقة. وفي السياق العربي، يمكن ذكر عبد العزيز العمران الذي يمثل جيل المستثمرين الجدد الداعمين لريادة الأعمال، ومنى عطايا التي تعكس قيادة ريادية قائمة على الابتكار الرقمي وتمكين الأسواق المحلية.
أما جيل Z، فيتميّز بقيادة رقمية بامتياز، حيث نشأ في عالم متصل بالكامل. قادته أكثر وعيًا بالقضايا الاجتماعية والبيئية، وأكثر ميلاً للشفافية والتعبير عن الذات. القيادة هنا تعتمد على التأثير أكثر من السلطة الرسمية، وعلى السرعة في اتخاذ القرار. ومن النماذج الملهمة Greta Thunberg التي قادت حركة عالمية رغم صغر سنها، وBen Francis الذي أسس شركة عالمية من خلال فهم عميق للثقافة الرقمية. وفي العالم العربي، يمكن الإشارة إلى محمد بن سلمان الجابر (كنموذج لرواد الأعمال الشباب في التقنية) الذين يعكسون صعود القيادة الرقمية السريعة والتأثير عبر المنصات.
أما جيل ألفا (2013–حتى الآن)، فما يزال في طور التشكّل، إلا أن ملامح قيادته المستقبلية بدأت تتضح. من المتوقع أن يتسم هذا الجيل بقيادة قائمة على الذكاء الاصطناعي، والتفكير الإبداعي، والتكامل بين الإنسان والتكنولوجيا. سيكون قادته أكثر اعتمادًا على البيانات، وأكثر انفتاحًا على التغيير المستمر، مع حس عالٍ بالمسؤولية العالمية. وإذا نظرنا إلى الجذور الإسلامية للقيادة الاقتصادية، نجد نماذج خالدة مثل عبد الرحمن بن عوف الذي جسّد القيادة الاقتصادية القائمة على النزاهة والريادة التجارية، وهي قيم يُتوقع أن يعاد توظيفها بأساليب حديثة في قيادات المستقبل.
وعند المقارنة بين هذه الأجيال، نلاحظ انتقالًا من القيادة السلطوية إلى القيادة التشاركية، ومن التركيز على الاستقرار إلى الابتكار، ومن المركزية إلى اللامركزية. كما تطورت أدوات التأثير من السلطة الرسمية إلى التأثير الرقمي والاجتماعي. هذا التحول لا يعني أن جيلًا أفضل من آخر، بل يعكس تكاملًا ديناميكيًا بين الخبرة التقليدية والرؤية المستقبلية.
في النهاية، فإن فهم هذه الفروقات يمكّن المؤسسات من تصميم نماذج قيادية هجينة تجمع بين الصرامة الاستراتيجية والمرونة الابتكارية، بما يضمن استدامة الأعمال وتعزيز القدرة التنافسية في عالم سريع التغيّر.


