حين يُولد الجفاء من رحم الوفاء…قراءة في ” علّمتني ” للشاعر الراحل: طلال الرشيد (الملتاع)

نشرت :

بقلم: د. نسيمة المشيخي

على أنغام راشد الماجد لا تمرّ هذه الابيات ككلماتٍ تُغنّى، بل كوجعٍ يُروى. ورغم أن هذه الكلمات تعود إلى أكثر من 20 عام مضت، إلا أنها لم تكن يومًا أسيرة زمنها، بل واحدة من تلك الأعمال المخلّدة التي لا يطالها التقادم، تتجدّد مع كل قلبٍ مكسور، وتولد من جديد مع كل تجربة خذلان. ليست لها نهاية، ولا عمرٌ افتراضي، لأن كلماتها كُتبت بصدقٍ نادر، وبشاعريةٍ تجعلها صالحة لكل زمن، ولكل من مرّ بتلك المسافة المؤلمة بين الحبّ والخذلان.
تلك التي تبدأ بنداءٍ موجع: “علّمتني وشلون أحب… علّمني كيف أنسى”، لا تطرق السمع بقدر ما تطرق القلب، كأنها خرجت من عمق جرحٍ لم يُكتب له أن يلتئم. ليست حكاية فراقٍ عابر، بل لحظة إدراك قاسية… أنك لم تخسر شخصًا فحسب، بل خسرت النسخة الأنبل من نفسك التي أهديتها له بلا ثمن.
كان البحر في هذه الكلمات أكثر من صورة “يا بحر ضايع فيك الشط والمرسى.. “
كان قدَرًا. حين تلتفت فلا تجد في المدى إلا بحرًا ضائعًا، غاب عنه الشط، وغدر به المرسى. هناك، حيث لا استقرار، ولا نهاية، ولا يقين. يتبعثر الشعور كرمادٍ في مهبّ الريح، فلا صخرة تتكئ عليها الخيبة، ولا أفق يَعِد بالنجاة.
ومع كل مدٍّ وجزر، لا تتحرك المياه فقط… بل تنحسر الثقة، كاشفةً قاعًا مثقلًا بحطام وعودٍ لم تكتمل، وأحلامٍ لم تجد من يحميها…
كان يسبح وحده… لا لأن البحر كان خاليًا، بل لأن من ظنّه يومًا رفيق الرحلة، لم يكن يرى الغرق بعينيه، ولا يشعر بثقل الماء في صدره كما كان يشعر. كان يقاتل بصمتٍ يشبه الدعاء، يمدّ ذراعيه في وجه الموج، ويقتات على ما تبقّى من أنفاسه، ليبني حياةً كاملة… مع قلبٍ لم يعرف يومًا معنى الاستقرار، ولم يؤمن أن المرافئ خُلقت لتحتضن العائدين لا لتخذلهم.
كان يبني تلك الاحلام من رمال البحر… قريبةً حدّ الخطر، ناعمةً حدّ الخديعة، يسكب فيها روحه ويشكّلها بأملٍ يشبه الوهم الجميل؛ يعلم في أعماقه أن موجةً واحدة قد تكفي لتهدم كل شيء، ومع ذلك كان يصرّ أن يمنحها فرصة البقاء، كأن الحبّ وحده قادرٌ على أن يؤخّر انهيارًا محتومًا.
لم يكن يدرك أنه يبني… لكن من رمال البحر.
قريبة جدًا من المدّ، ناعمة حدّ الخداع، تشبه الأمان في ظاهرها، وتخفي في عمقها هشاشةً تنتظر لحظة الانهيار. كان يضع أحلامه فوقها، ويرتّب تفاصيله بعناية، ويزرع فيها كل ما يملك من يقين… كأن الحب وحده قادر على تثبيت ما لا يُثبت.
لكن البحر لا يُجامل أحدًا.
موجةٌ واحدة كانت كافية…
لتعيد كل شيء إلى لا شيء.
وحين جاء أول ارتطامٍ بالحقيقة… لم تمتد يدٌ، لم تُقاوَم موجة، لم يُستدعَ ذكرٌ لما كان بينهما. ترك كل شيء ينهار، وغادر بخفّة من لم يسكن المكان أصلًا، كأن الذاكرة صفحة يمكن طيّها بلا أثر، وكأن ما كان يومًا نابضًا بالحياة… لم يكن.
لم تكن هناك محاولة للنجاة، ولا ارتباك يشي بالخوف من الفقد، ولا حتى التفاتة أخيرة تحمل شيئًا من الذكرى. كان الرحيل سهلًا… قاسيًا في بساطته، كأن كل ما بُني، وكل ما أُعطي، وكل ما كان… لم يكن يومًا.
وهنا فقط، فهم – متأخرًا- أن المعركة لم تكن عادلة منذ البداية، وأن الذي كان يقاتل لأجل حياةٍ كاملة،كان يقف وحده…أمام قلبٍ لم يدخل الحرب أصلًا
أيُّ عطاءٍ كان ينبغي أن تُفيض به روحه أكثر… ليوقظ في ذلك القلب الغافي بذرةَ وفاءٍ لم تُولد، أو لعلّها وُلدت ولم تعرف طريقها إلى النبض؟ كم كان عليه أن يزرع من صدقٍ، ويسقي من حنانٍ، ليُثمر في أرضٍ لم تُجِد يومًا سوى الجفاف؟
” وانا اللي اهديتك امن. عين وجفن !..هذي فراش وذا غطا “
كان يرى في عطائه وعدًا صامتًا بأن الحب لا يُقابَل إلا بمثله، وأن الدفء الذي يسكبه في روح الآخر سيعود إليه نورًا وطمأنينة. لكنه، في لحظة صفاءٍ موجعة، اكتشف أن النظرة التي كانت تفيض قسوةً لم تكن سوى خطأٍ في ميزان الشعور، وأن القلب الذي بذل بسخاء لم يجد إلا بخلًا يردّه خالي الوفاض. كان هو الذي مدّ له الأمان حتى غدا حضنه كالعين إذا أغمضت جفنها استراحت، وكأنّه هيّأ له سكون العالم في أبسط تفاصيله؛ فراشًا يضمّ تعبه، وغطاءً يستر ضعفه. ومع ذلك، ظلّ العطاء معلّقًا في فراغٍ لا صدى له، كأن المشاعر حين لا تُقدَّر تفقد معناها، ويصبح الكرم عبئًا على صاحبه لا زينةً له. وهنا، لم يكن الألم في الجفاء ذاته، بل في إدراك أن القلب حين يعطي بصدقٍ عميق، فإنه لا ينتظر المقابل بقدر ما ينتظر أن يُفهم… وحين لا يُفهم، ينكسر بصمتٍ لا يُرى، لكنه يُحسّ في أعماق الروح كأشدّ ما يكون الوجع وبسذاجة العاشق الصادق، أن الحب حين يُمنح بكل هذا الصفاء… يُورث وفاءً، وأن التفاني لا بد أن يوقظ في الطرف الآخر شعور البقاء.
لكن ما حدث كان أكثر قسوة من كل الظنون…
كل ذلك العطاء لم يعلّمه التمسك،
وكل ذلك الحب لم يزرع فيه خوف الفقد،
بل كأنه كلما امتلأ به… ازداد قدرةً على الاستغناء.
فأيّ قلبٍ ذاك الذي لا تثقله النِعم؟
وأيّ جفاءٍ هذا الذي ينمو رغم كل هذا الدفء؟
كان يظن أنه يبني فيه معنى…
لكنه، في الحقيقة، كان يواجه قسوةً لا يلينها حب،
ويقدّم كل ما يملك…
لقلبٍ لم يتعلّم يومًا كيف يحتفظ بشيء
وهنا تتجسد ذروة الخذلان… ليس في الفراق ذاته، بل في الطريقة التي يحدث بها.
أن تُرمى في عرض اليمّ بكل هذا السخاء، وكأن التخلي هو الرد الوحيد على الالتزام، وكأن الرحيل هو المكافأة على البقاء. أن تعطي إنسانًا عينيك… ثم تكتشف أنه لم يكن يرى بك، وأن تغطيه بجفنك… ثم تدرك أنه لم يشعر يومًا بالأمان معك.
إنه خذلان يعيد تعريف كل شيء…
لكن الحقيقة التي تهمس بها – تلك الابيات – رغم كل هذا الألم…
أن الخسارة لم تكن في أنك أحببت،
بل في أنك وضعت هذا الحب في المكان الخطأ.
وهكذا، لم يبقَ في الحكاية إلا اعترافٌ يتسلّل من بين الشقوق:
“بس أنت علّمني الجفاء… دامني عجزت أعلّمك كيف الوفا.”
هكذا انطفأت المحاولات الطويلة، لا بضجيج الهزيمة، بل بصمتٍ يشبه انكسار الضوء في آخر المساء. لقد أفرغ روحه كلّها وهو يحاول أن يزرع في قلبٍ آخر معنى أن يكون الوفاء نبضًا لا خيارًا، وأن يكون البقاء عهدًا لا ظرفًا… لكن البذور، مهما كانت نقية، لا تُزهر في أرضٍ لا تعرف المطر. لم يكن الوفاء يومًا عصيًّا، بل كانت القلوب هي التي تضيق عن احتماله.

وعند تلك العتبة الفاصلة، لم يبقَ له إلا أن يلتفت إلى ذاته، كغريبٍ يكتشف ملامحه لأول مرة، ويهمس لها أن تتعلّم ما لم تألفه: أن تُجيد شيئًا من الجفاء. لا لأن القسوة تليق به، بل لأن النجاة أحيانًا تتخفّى في هيئة ما نكره. فالقلب الذي امتلأ حبًا لا يعرف كيف يقسو، ولا يتقن إغلاق أبوابه في وجه من سكنه يومًا، لكنه – حين تتراكم الخيبات كمدٍّ لا يهدأ – يفهم أن القسوة ليست خيانةً لنقائه، بل حارسٌ أخير لوهجه قبل أن ينطفئ.
وهنا يتجلّى المعنى في أعمق صوره: ليس العجز عن تعليم الوفاء نقصًا في العطاء، بل اعترافٌ صامت بحدود لا تُكسر، ترسمها طبائع القلوب واختلاف مصائرها. فمن خُلق وفيًّا، سيبقى يميل إلى الحب حتى وهو يلتقط شظاياه، لكنه قد يتعلّم –متأخرًا – أن الجفاء أحيانًا ليس نقيض الوفاء… بل درعه الأخير، وصمته الذي يحمي ما تبقّى منه.
وفي ختام الحكاية… لم يعد الألم صرخةً تُسمع، بل صار همسًا خافتًا يسكن الأعماق، كندبةٍ لا تُرى… لكنها لا تزول.
هناك، حيث تتعب المشاعر من البكاء، يتعلّم القلب درسًا لم يكن يومًا يريده: كيف يقسو قليلًا، لا ليؤذي… بل ليبقى.
لقد أدرك أخيرًا أن الغرق لا يبدأ حين نبتعد عن الشاطئ، بل حين نُسلم أرواحنا لوعدٍ ظننّاه مرسى، فإذا به موجٌ عابر. وأن الانتظار، حين يُوهب لمن لا يُجيد البقاء، يتحوّل إلى خذلانٍ صامتٍ يأكل من الضوء شيئًا فشيئًا.

وهكذا… لم تعد القسوة خيارًا، بل ضرورةٌ يتعلّمها القلب الوفي على مضض، كآخر ما يملكه ليحمي ما تبقّى من صدقه. فبعض الرحيل لا يُحزن بقدر ما يُعلّم، وبعض الخذلان لا يُنهي الحكاية… بل يكتب نهايتها الأكثر صدقًا:
أن لا أحد ينتظر أحدًا كما نظن،وأن النجاة أحيانًا… أن تتعلّم كيف لا تنتظر.
أختم هذه الرحلة… بأن أترككم مع نبض الشاعر حيث تختصر كلماته كل ما عجزت المشاعر عن قوله.
علمتني وشلون أحب علمني كيف أنسي
يا بحر ضايع فيك الشط والمرسى
علمتني وشلون احن علمني كيف انساك
سير عليّ سير عليّ بس امسح دموعي وروح
سير عليّ سير عليّ جب لي معك قلب(ن) وروح
سير عليّ سير عليّ إذا تذكرت الجروح
يا طاغي النظرة خطأ تجزي بها البخل العطا
وانا اللي اهدياك آمن عين وجفن هذي فراش وذا غطا
يا جرح من وين ابتديّ
وانتا معي من مولدي
عيت يدي على وداعك تهتدي
بس انت علمني الجفا دامي عجزت اعلمك كيف الوفا

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img