رأي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
سجلت محافظة ظفار إيرادات سياحية بلغت 325 مليون ريال عماني خلال العام 2025، مرتبطة بشكل أساسي بموسم الخريف وإسهام السياحة في النشاط الاقتصادي المحلي. ومع تجاوز أعداد الزوار المليون زائر في موسم الخريف وحده، يعكس هذا الرقم نمواً ملموساً ساهم في تنشيط قطاعات التجارة والفنادق والخدمات. إلا أنه، في الوقت ذاته، يكشف عن تحديات استراتيجية جوهرية تحول دون تحقيق الطموح الحقيقي للمحافظة.
يبرز الاعتماد الشديد على موسم الخريف المطري الذي يمتد لأشهر معدودة كأبرز نقاط الضعف. فمع انتهاء الموسم، تتراجع الحركة السياحية بشكل حاد، مما يؤدي إلى عدم استغلال الإمكانيات الطبيعية والثقافية الهائلة لظفار على مدار العام. كما أن نسبة كبيرة من الإيرادات تتسرب خارج المحافظة عبر شركات السياحة الأجنبية، واستيراد الخدمات والمنتجات، بينما تبقى الاستفادة المباشرة للمجتمع المحلي محدودة.
ومقارنة بالإيرادات الفندقية الوطنية التي تجاوزت 772 مليون دولار في 2025، يظل نصيب ظفار متواضعاً نسبياً، رغم ما تمتلكه من مقومات استثنائية: جبال شاهقة، شواطئ خلابة، كهوف فريدة، تراث ثقافي غني، وقرب جغرافي من أسواق الخليج والهند والصين.
ان رؤية عمان 2040 تضع السياحة في صلب أهداف التنويع الاقتصادي، وتستهدف رفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5-10%، مع التركيز على الاستدامة وخلق فرص عمل نوعية للعمانيين وبالنسبة لظفار تحديداً، يتمثل الهدف الرسمي في جذب 3.2 مليون زائر سنوياً بحلول 2040، وتحويلها من وجهة موسمية إلى وجهة سياحية سنوية مستدامة.325 مليون ريال حالياً تمثل بداية جيدة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الطموح الوطني، ولا تستغل الإمكانيات الحقيقية للمحافظة.
ان الطريق إلى سياحة عالية القيمة تمتلك ظفار كل المقومات للانتقال إلى نموذج سياحي راقٍ ومستدام، يركز على الجودة لا الكم. ويتطلب ذلك تطوير منتجات سياحية عالية القيمة: السياحة البيئية والمغامرات في الجبال والأودية والكهوف، بمعايير بيئية صارمة تجذب سائحاً ينفق أكثر ويحافظ على الموارد. و تعزيز السياحة الثقافية والتراثية وتطوير أسواق تقليدية عالية الجودة مثل سوق مرباط القديم وسوق الحصن وغيرها، مع الحفاظ على الهوية العمانية الأصيلة وتوزيع القيمة الاقتصادية محلياً.
السياحة الزراعية والصحية وهي دمج الزراعة العضوية مع الضيافة البيئية، وتقديم تجارب علاجية طبيعية وتعايش مع البيئة، وهو قطاع تنافسي تتميز به ظفار بفضل تنوع تضاريسها. و كذلك تنويع المواسم و إطلاق أنشطة شتوية وربيعية وصيفية لتحويل ظفار إلى وجهة سنوية.
ان الشروط الأساسية للنجاح لا يمكن تحقيق هذا التحول دون وضع حدود صارمة على البناء والتوسع العمراني لحماية البيئة والغطاء النباتي والتنوع الحيوي و وجود إدارة فعالة للنفايات وتطبيق معايير استدامة بيئية صارمة و تدريب وتمكين الكوادر العمانية، وتعزيز الشراكات المحلية لزيادة القيمة المضافة المحلية و تسويق رقمي احترافي يستهدف أسواقاً جديدة في أوروبا وآسيا والصين.
325 مليون ريال ليست نهاية الطريق، بل نقطة انطلاق. الفرصة أمام ظفار كبيرة، والوقت مناسب الآن للانتقال من «موسم الخريف» إلى «وجهة ظفار الدائمة» – وجهة سياحية مستدامة، راقية، متجذرة في هويتها الطبيعية والثقافية، تولّد دخلاً أعلى، وفرص عمل أفضل، وتحافظ على ما يميزها ويجعلها فريدة.
إن النجاح ممكن، بشرط أن تكون الرؤية واضحة والتنفيذ حازماً ومستداماً.
حفظ الله عما ارض وشعب وسلطان والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافه من كل شر …


