مسقط : العمانية
في ظل التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد الغذائي والتغيرات المناخية، برزت المزارع المنزلية في سلطنة عُمان كونها أحد الخيارات المتنامية لتعزيز الأمن الغذائي على مستوى الأسرة، بعد أن كان يُنظر إليها كهواية أو نشاط جانبي محدود. ومع تزايد الوعي المجتمعي بأهمية الاكتفاء الذاتي وجودة الغذاء، أخذ هذا التوجه يتشكل كظاهرة تستحق القراءة من منظور اقتصادي وبيئي واجتماعي أوسع.ويرى مختصون في الشأن الزراعي أن انتشار المزارع المنزلية خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد توجه عابر، بل يعكس تحولًا حقيقيًّا في سلوك الأفراد نحو الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء، مدفوعًا بالرغبة في الحصول على منتجات طازجة وآمنة وخالية من متبقيات المبيدات، إلى جانب تزايد الإدراك بأهمية الزراعة في الحياة اليومية.وفي هذا السياق، يؤكد المهندس أحمد بن راشد العبري، مدير دائرة التنمية الزراعية بمحافظة الظاهرة لوكالة الأنباء العمانية بأن هذا التوسع الملحوظ في الزراعة المنزلية يعكس وعيًا متزايدًا لدى المجتمع بأهمية الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن عددًا من الأسر العمانية أصبحت تعتمد ولو جزئيًّا على ما تنتجه في المنزل لتلبية احتياجاتها الغذائية، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي على المستوى الفردي.ويوضح أن المزارع المنزلية، رغم محدودية مساحتها، تسهم في دعم الأمن الغذائي بشكل تراكمي، خاصة إذا ما تم النظر إليها كمجموعة من الوحدات الإنتاجية الصغيرة التي يمكن أن تحدث أثرًا ملموسًا عند انتشارها، لافتًا إلى أن بعض الأسر تجاوزت مرحلة الاستهلاك الذاتي إلى توزيع وبيع منتجاتها في الأسواق المحلية.ويشير إلى أن البيئة العمانية تتيح زراعة كم واسع من المحاصيل في المنازل، من أبرزها الخضروات الورقية بمختلف أنواعها، إلى جانب الفواكه مثل الليمون والموز والبابايا (الفيفاي) والعنب، مؤكدًا أن التقنيات الزراعية الحديثة، كـالزراعة بدون تربة والبيوت المحمية، أسهمت في توسيع نطاق الإنتاج وإطالة المواسم الزراعية، بل وأدخلت أصنافًا جديدة إلى هذا المجال.ويبيّن أن هذه الممارسات أسهمت في تقليل الاعتماد على الأسواق في بعض المنتجات، حيث وصلت بعض الأسر إلى مستويات جيدة من الاكتفاء الذاتي، إلا أن هذا الدور ما يزال تكميليًّا في معظمه، ويحتاج إلى تطوير ليكون أكثر تأثيرًا واستدامة.وعن أبرز التحديات، يشير العبري إلى أن شح المياه وارتفاع تكلفتها، إلى جانب درجات الحرارة المرتفعة في فصل الصيف، تمثل أبرز العقبات، إضافة إلى الحاجة إلى معرفة فنية لتطبيق التقنيات الحديثة، وصغر المساحات المتاحة في بعض المنازل. ويؤكد أن التغلب على هذه التحديات ممكن من خلال تبني حلول عملية، مثل إعادة استخدام المياه المنزلية، واستخدام أنظمة الزراعة الحديثة، والاستفادة من مصادر المعرفة المتاحة عبر المنصات الرقمية، كما يؤكد على وجود بعض الممارسات الخاطئة لدى المبتدئين، كاختيار محاصيل غير مناسبة للموسم أو للبيئة المحلية، وعدم الإلمام بطرق الري والتربة المناسبة، مؤكدًا أهمية الاعتماد على مصادر موثوقة في التعلم لضمان نجاح التجربة.ويرى أن تحويل الزراعة المنزلية إلى ثقافة مجتمعية مستدامة يتطلب تكاتف الجهود، من خلال نشر الوعي بأهميتها، وتشجيع الأسر على استهلاك ما تنتجه، وتوفير المستلزمات الزراعية، إلى جانب دعم القطاعين العام والخاص عبر البرامج التدريبية والمبادرات التوعوية.وقدم خالد الشهومي، صاحب مزرعة منزلية، تجربة واقعية تعكس هذا التحول، موضحًا أنه بدأ الزراعة المنزلية كهواية بسيطة بدافع شغل أوقات الفراغ، إلا أن هدفه تغيّر تدريجيًّا ليصبح أكثر ارتباطًا بتوفير غذاء صحي ومستدام لأسرته.وأكد أن ما تنتجه مزرعته اليوم يشكل جزءًا فعليًّا من اعتماده الغذائي، خاصة في الخضروات الأساسية، مشيرًا إلى أن هذه التجربة أسهمت في تغيير نمط استهلاكه، حيث قلّ اعتماده على شراء بعض المنتجات من السوق، وأصبح أكثر وعيًا بنوعية الغذاء الذي يتناوله.ويضيف أن الاستمرارية في الزراعة المنزلية ترتبط بعدة عوامل، أبرزها الصبر، وتوفر المعرفة، والشغف، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأشخاص يتوقفون في البداية بسبب التحديات أو النتائج غير السريعة، في حين أن من يدرك طبيعة الزراعة كعملية تراكمية يستمر ويطوّر تجربته.وحول قدرة المزارع المنزلية على مواجهة الأزمات، يرى الشهومي أنه لا يمكنها تحقيق اكتفاء كامل في حال توقف الإمدادات، لكنها قادرة على تغطية جزء مهم من الاحتياجات، خاصة إذا كانت مُدارة بشكل جيد وتضم تنوعًا في المحاصيل، وهو ما يمنح الأسرة قدرًا من الأمان الغذائي. ويشير إلى أن ما ينقص هذا التوجه اليوم هو التحول من مبادرات فردية إلى ثقافة مجتمعية أوسع، عبر تعزيز الوعي، وتبادل الخبرات، وتوفير الدعم الفني، بما يسهم في ترسيخ الزراعة المنزلية كجزء من نمط الحياة اليومية.


