الثروة الحيوانية في عُمان (3): سلالات الماشية بين الأصالة والتحسين الوراثي

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

ليست كل السلالات الحيوانية متشابهة، فبعضها يحمل قدرة لافتة على التحمّل والتكيّف حتى وإن لم يكن الأعلى إنتاجًا.
وفي عُمان، حيث تشكّلت السلالات المحلية عبر سنوات طويلة من التعايش مع المناخ القاسي وندرة الموارد، يعود النقاش اليوم حول كيفية الموازنة بين الحفاظ على هذه السلالات، والسعي إلى تطوير الإنتاج وتحسينه.

تمتلك عُمان ثروة وراثية من السلالات الحيوانية تُعد من أعرق السلالات في الجزيرة العربية، سلالات لم تتشكّل في مزارع حديثة أو مختبرات مغلقة، بل تكوّنت عبر قرون طويلة من التعايش مع الجبال والسهول والحرارة والجفاف وندرة الأعلاف.
ولهذا لم تكن قيمتها في وفرة إنتاجها فقط، بل في قدرتها على البقاء والتكيّف مع بيئة صعبة ومتقلبة.

وفي القرى والجبال والبوادي العُمانية، نشأت سلالات تحمل خصائص تكاد تعبّر عن طبيعة المكان نفسه.
فالأبقار الظفارية مثلًا عُرفت بقدرتها الطبيعية على إنتاج الحليب واللحم رغم اعتمادها شبه الكامل على المراعي، فيما اكتسب الماعز الجبلي في الجبل الأخضر قدرة لافتة على تحمّل البرودة وشحّ الغذاء، إلى جانب الماعز الظفاري المعروف بقوته البدنية وقدرته على الرعي لمسافات طويلة، فضلًا عن سلالات أخرى منتشرة في الباطنة والداخلية والشرقية.

وتتميّز هذه السلالات بقدرتها على التكيّف مع الظروف المحلية وانخفاض كلفة تربيتها مقارنة ببعض السلالات المستوردة، وهي ميزة لا تبدو بسيطة في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف وتزايد كلفة الإنتاج.

لكن في المقابل، يواجه كثير من المربين تحديًا واضحًا يتعلق بمستوى الإنتاج، سواء في اللحوم أو الألبان، وهو ما يدفع بعضهم إلى الاتجاه نحو سلالات محسّنة أو عمليات تهجين بحثًا عن مردود اقتصادي أفضل.

السلالة ليست المشكلة دائمًا

وما يلفت الانتباه في كثير من الدراسات والتجارب أن السلالات المحلية لم تكن عاجزة بقدر ما كانت تعمل في ظروف قاسية تفوق طاقتها.
فحين تتوفر التغذية المناسبة والرعاية الصحية والتحسين التدريجي، تظهر قدرات إنتاجية أفضل بكثير مما يعتقده البعض.

وربما كانت المشكلة أن كثيرًا من هذه السلالات عاشت طويلًا على قدرتها الفطرية على التحمّل، حتى اعتاد الجميع أن يطلب منها الصمود أكثر مما يقدّم لها من تطوير.

وقد اطّلعتُ خلال إعداد هذا المقال على عدد من التجارب التي تشير إلى أن التحسين الوراثي يمكن أن يحقق نتائج ملموسة، لكنه ليس خيارًا بسيطًا أو خاليًا من التحديات.
فالسلالات المستوردة، رغم إنتاجيتها العالية، تحتاج إلى عناية خاصة وتكاليف تشغيل أكبر، كما أنها قد لا تتكيّف بسهولة مع البيئة المحلية والمناخ الحار.

وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية: كيف يمكن تحقيق توازن بين الحفاظ على السلالات المحلية، والاستفادة في الوقت نفسه من مزايا التحسين الوراثي؟

وفي هذا السياق، حاولت مراكز البحوث الزراعية في الرميس وقريات وصلالة أن تعيد الاعتبار للسلالات المحلية عبر برامج الانتخاب الوراثي والتهجين المدروس. وكانت البدايات مشجعة، إذ أظهرت بعض التجارب تحسنًا في الوزن ومعدلات النمو وإنتاج الحليب، ما عزّز القناعة بأن تطوير السلالات المحلية ممكن إذا توفرت الاستمرارية والدعم.

كما جرت محاولات لتهجين بعض سلالات الماعز المحلية بسلالات أجنبية مختارة، وحققت نتائج جيدة في النمو والتحويل الغذائي. لكن هذه الجهود لم تستمر بالزخم نفسه، لأسباب متعددة، من بينها ضعف الاستمرارية، وغياب استراتيجية وطنية واضحة، وتراجع الدعم المالي، إضافة إلى محدودية تأهيل الكوادر الوطنية، رغم الاستعانة بخبرات خارجية في بعض المراحل.

ومع مرور الوقت، تراجع دور بعض المراكز البحثية، سواء من حيث المساحة أو الموارد أو الأولويات. بل إن بعض الأراضي البحثية تم تحويلها إلى استخدامات أخرى، ما أدى إلى تعطّل مشاريع كانت في طور التراكم المعرفي، وفقدان خبرات كان يمكن البناء عليها لاحقًا.

إن غياب الدعم البحثي لا يعني ضعف السلالات، بل يعني ببساطة أننا لم نمنحها الفرصة الكافية لتُظهر قدراتها.
فالسلالات العُمانية ليست مجرد إرث تقليدي، بل مادة وراثية قابلة للتطوير عبر برامج علمية طويلة الأمد تقوم على الانتخاب المدروس وتحسين خطوط الإنتاج، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الصفات الأصيلة التي تمنحها القدرة على التكيّف مع المناخ الحار وشحّ الموارد.

إن الاستثمار في تحسين السلالات هو استثمار في المستقبل، لأنه يقلّل الاعتماد على السلالات المستوردة، ويؤسس لإنتاج أكثر استدامة وانسجامًا مع طبيعة البيئة العُمانية.
وربما لهذا تتجه بعض دول المنطقة اليوم إلى بناء مشاريع متكاملة للثروة الحيوانية تقوم على البحث والتطوير وتحسين الإنتاج والسلالات، باعتبار أن الأمن الغذائي لا يبدأ من السوق فقط، بل من جودة السلالة نفسها وقدرتها على الاستدامة.

وما تحتاجه السلطنة اليوم ليس البدء من جديد، بل استئناف ما توقّف، وإعادة الاعتبار للبحث العلمي بوصفه جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الغذائي، لا نشاطًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه.

فالسلالات المحلية ليست مجرد قطعان تتنقّل بين المراعي، بل ثروة وراثية تحمل ذاكرة المكان وخبرته في البقاء.

وربما لا يكون السؤال اليوم: أيهما أفضل، السلالات المحلية أم المحسّنة؟
بل كيف يمكن الاستفادة من كلٍّ منهما دون أن نخسر ما نملكه أصلًا.

يتبع في الجزء الرابع: منظومة الرعاية البيطرية والتحصين… أين تكمن الفجوات؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img