“غواية الغيم” ورُشدُ علي العايل

نشرت :


حمود بن سالم السيابي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإنْ تعفَّرَ الوجهُ بزعفران الخنادق، وتخضَّبت الأكفُّ بزيوت سبطانات البنادق، ستظلُّ في جيب سترتك القتالية المرقَّطة قصاصةٌ بيضاء، يمكن أن تُخرجها بين تكليفٍ وتكليف، لتبثَّ أمَّكَ صهيل روحك:

“أمي…
إنْ لمحتُكِ تبتسمين
ينتهي ما تبقَّى من وهمٍ في قلبي؛ لأنَّ الصباحات ليست جميعها شمسًا”.

وإنْ تسرَّب عمرك بين منافي الاغتراب ويأسِ التردُّد على أطباء العيون، ستظلُّ تدَّخر لعودتك إلى الوطن مدادًا باخضرار ظلَّة شجر اللوز، وزلال “بئر منصور”، وأراجيح سعفات نارجيل الحافَّة:

“عندما أدخل المستشفى
أشعر أنَّ شيئًا سيحدث،
وأنَّ شيئًا سيتغيَّر في شكلي،
وأنَّ عيني سيتغيَّر لونها،
وشعري سوف يكبر،
وذقني سوف ينمو شعرُها،
ويصبح كثيفًا،
وأنَّ أحدًا لن يهتمَّ بي،
ولكنني أعيشكِ أملًا”.

ومن المفارقات أن تكتب فوهات البنادق قصائد الحب، وتغنِّي للحرية، وتعتصر هرولة القمر العابر فوق الرؤوس، فترسم بسكيب فضته وجه الوطن:

“كلَّما نتحدَّث عن الحب
يزهر البوح على شفاهنا،
ويسقط المطر على أعتاب الروح،
وتبدأ الحياة نبضًا”.

ومنذ عرفناك، أستاذنا الأديب الكبير علي العايل الكثيري، قرأناك شاعرًا وروائيًّا وناثرًا.
وفي كلِّ ما سطَّرتَ كان الشعر ظلَّك، وإنْ تقوَّلبت النصوص.
وكان الشعر شجنك وأنينك، وإنْ اتخذت نصوصك تصنيفاتٍ ارتآها الناشرون.
وسيظلُّ صوت الشعر لديك هو الأعلى؛ فالشعر أولًا، والشعر ثانيًا، والشعر أخيرًا. وإنْ لم تتوجَّع بكتابته، سيكتبك ليوجعك:

“عندما يصرخ بنا الألم
نستجدي الغيب،
علَّه يحمل لنا أملًا، ولا يأتي المرجوُّ
حتى تنفطر الأفئدة،
ونرفض أن نصرخ تكابرًا على الوجع”.

وعبر ثلاثةٍ وخمسين نصًّا في كتابك الجديد “غواية الغيم”، الصادر عن “دار لبان” الشامخة، كان الشعر رشدك ووضوحك.
وكلُّ نصٍّ في “غواية الغيم” نافس الآخر في عذوبته.
ولن أزيد على ما قلَّدتك به الشاعرة الكبيرة الأستاذة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسي من أوسمةٍ مستحقَّة:

“علي العايل مبدعٌ تشغله مرايا التجريب، فتعكس في كتاباته نصوصًا متجددة من فترة إلى أخرى. فالعايل ـ كما نعرفه ـ شاعرًا شعبيًّا ينتهج كتابة القصيدة النبطية، واليوم، في هذا العمل، يفاجئنا العايل بجنسٍ أدبي يقف على الأعراف في كل بصماته؛ فلا هو شعرٌ، ولا روايةٌ، ولا قصصٌ قصيرة، إنَّه نصٌّ متداخل الأجناس في تراكيبه وأساليبه، وينفرد بلغةٍ فصحى مدهشة، خاليةٍ من الارتباك، ومن الأخطاء، ومن التراكيب المجانية الهشَّة”.

و”لا عطر بعد عروس” على ما نفحتك به زميلة القوافي؛ لذلك أختم بروائع “غوايتك”:

“قرأتُ في عيني الشروق أنَّ الحب قدر،
وأنَّ القدر موعد،
وأنَّ الموعد شمسك،
فلا تسأليني متى كان الحب، ولا أين يمضي بنا”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسقط في 18 مايو 2026م.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img