حين تكتب الحقيقة قصيدتها… عمار عبد الواحد في مجلس الحكواتي

نشرت :

مقدمة مجلس الحكواتي

في مجلسٍ يؤمن أن الكلمة ليست زينةً تُعلَّق على جدران اللغة، بل كائنًا حيًّا يتنفس في ضمير الإنسان… نفتح اليوم نافذة على تجربةٍ تشكَّلت بين رفوف الكتب وميادين الخبر، بين همس القصيدة وصخب العناوين.

ضيفنا ليس عابرًا في دروب الحرف، بل هو ممن سكنتهم الكلمة منذ الطفولة، حتى صارت جزءًا من تكوينه الروحي ومفتاحًا لفهم العالم من حوله. من مكتباتٍ صغيرةٍ كانت بداية الحلم، إلى فضاءاتٍ عربية ودولية اتسعت فيها تجربته، حمل قلمه ليكتب الشعر كما يكتب الحقيقة، ويصوغ الجمال كما يلاحق الخبر.

إنه الشاعر والصحفي عمار عبد الواحد… تجربة تجمع بين حساسية المبدع ودقّة المراسل، بين التأمل والاشتباك مع الواقع، وبين الحلم والوثيقة.

في مجلس الحكواتي لا نغلق الأسئلة بإجاباتٍ جاهزة، بل نفتحها على مساحة القول… فمرحبًا به.


الأسئلة (سين وجيم)

س1/ كيف تصف اللحظة الأولى التي أدركت فيها أن علاقتك بالكلمة لم تعد مجرد شغف عابر، بل قدرًا يلازمك؟

ج/ حدث ذلك حين اكتشفت أنني لا أكتب لكي أعبّر عن فكرةٍ فحسب، بل لأنني لا أستطيع العيش دون هذا الترتيب الذي تمنحه الكلمة لروحي. أدركت حينها أن اللغة لم تعد وسيلة، بل أصبحت مسكنًا ألجأ إليه كلما ضاقت بي الجهات. شعرت بأن الحرف ليس رداءً أرتديه في أوقات الفراغ، بل هو ظلٌّ يتبعني في حركتي وسكوني. لم يكن هناك انفجار أو صرخة، بل كانت طمأنينة باردة واستسلامًا تامًّا لحقيقة أن مصيري معلّق بهذه السطور، وأن كل ما عداها هو الهامش، أما هي فكانت المتن الوحيد لحياتي.


س2/ إلى أي مدى أسهمت مكتبة الطفولة ومجلات مثل “العربي” في تشكيل ذائقتك الأدبية؟

ج/ يمكنني القول إن مكتبة الطفولة، وبعدها مجلة “العربي”، والدكتور عبد الواحد لؤلؤة، والناقد الدكتور عناد غزوان، كانوا بمثابة المعلم الأول الذي صاغ علاقتي بالكلمة. فقد منحتني هذه المصادر، إلى جانب نجيب محفوظ وإرنست همنغواي، وشعراء القصيدة الواحدة، قدرةً مبكرة على تذوق اللغة ورؤيتها أداةً حيّة للتعبير عن العالم، وليست مجرد قواعد جامدة.

مجلة “العربي” تحديدًا كانت نافذتي على الثقافة الموسوعية، حيث علمتني أن القارئ الجيد هو من يجمع بين الأدب والعلم والاستطلاع. وهذا التنوع جعل ذائقتي تميل إلى الشمولية والبحث عن المعنى خلف الصورة والكلمة. أما مجلات قصص الطفولة فقد غرست في داخلي الانضباط اللغوي وحب السرد الواقعي الذي يحترم العقل بعيدًا عن التكلف. ولا أنسى الأستاذ إبراهيم العبيدي، معلم اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، الذي كان له دور كبير في بناء الأساس، مما جعلني اليوم أقدّر النصوص التي تجمع بين الرصانة والبساطة في آنٍ واحد.


س3/ كيف تشكّلت بداياتك مع الشعر والقصة في سنواتك الأولى؟

ج/ بداياتي مع الشعر والقصة لم تكن صاخبة أو مخططة، بل جاءت كفعلٍ عفوي يشبه الاكتشاف الهادئ. في سنواتي الأولى كنت أميل إلى العزلة ومراقبة التفاصيل الصغيرة من حولي، وهذا الفضول هو ما دفعني لمحاولة تدوين ما أراه.

بدأت القصة معي من خلال الحكايات التي كانت ترويها لي جدتي، رحمها الله. كنت أسمعها ثم أحاول محاكاتها بأسلوبي الخاص، وتدريجيًّا وجدت نفسي أنجذب إلى إيقاع الكلمات، فكانت أولى تجاربي الشعرية عبارة عن محاولات بسيطة لترجمة مشاعري تجاه مواقف عابرة. لم أكن أبحث عن الشهرة أو الاحتراف بقدر ما كنت أبحث عن وسيلة لفهم نفسي وفهم العالم من حولي، فكانت الورقة والقلم هما المساحة الوحيدة التي أشعر فيها بالحرية والوضوح. ومع مرور الوقت والقراءة المستمرة، نضجت هذه الأدوات وتحولت من مجرد هواية طفولية إلى جزء أساسي من تكويني الشخصي.


س4/ كتبت الشعر بنوعيه، النثري والتفعيلة… كيف تحدد شكل القصيدة لديك؟

ج/ أرى أن شكل القصيدة لدي ليس مجرد قالبٍ جاهز أصبّ فيه المعاني، بل هو كائن حي يفرض هندسته تبعًا لتدفق الحالة الشعورية. ففي قصيدة التفعيلة ألتزم بالإيقاع الداخلي الذي يفرضه البحر الشعري، حيث يوجّهني التكرار والتموج الصوتي نحو بناء موسيقي منضبط. أما في قصيدة النثر فإنني أنحاز إلى حرية التشكيل وفضاءات الدلالة، حيث يتحدد الشكل من خلال وحدة التجربة وكثافة الصورة الشعورية بعيدًا عن القيود الوزنية المسبقة. وبذلك يظل الفيصل بينهما هو طبيعة الانفعال اللحظي الذي يختار ثوبه التعبيري بكل عفوية واقتدار، رغم انحيازي التام إلى القصيدة العمودية في قناعتي الشخصية، أقولها بصراحة.


س5/ هل تقودك الفكرة إلى الشكل أم أن الشكل هو الذي يفرض نفسه عليك؟

ج/ الفكرة هي الجوهر والنواة الأولى التي تبحث لنفسها عن جسدٍ ملائم تظهر به إلى العالم، ولا يمكن للشكل أن يفرض وجوده مسبقًا كقالبٍ جاهز ومصمت دون مخاض فكري ونفسي. فالأفكار تأتي محمّلة بإيقاعها الخاص، وحين تولد الفكرة حرّة ومتمردة ومحملة بأسئلة وجودية أو تأملات فلسفية، فإنها ترفض القيود الهندسية المسبقة وتتجه تلقائيًّا نحو فضاء النثر، حيث الاتساع والكثافة البلاغية والحرية المطلقة في التشكيل. أما إذا جاءت الفكرة مثقلة بشجنٍ قديم أو حنين دافق أو انفعال عاطفي محدد، فإنها تنساب بعفوية في قوالب التفعيلة لكي تجد في الموسيقى الداخلية صدى لندائها الروحي. وعملية التشكيل هنا تشبه تمامًا تدفق الماء الساخن الذي يتشكل بشكل الإناء الذي يحتويه دون أن يفقد هويته أو جوهره الأصيل، فالشكل ينبع من صميم الفكرة ولا يُفرض عليها من الخارج.


س6/ انتقلت من الأدب إلى الصحافة المهنية بعد 2003… كيف تقرأ هذا التحول في مسارك؟

ج/ لم يكن هذا الانتقال قطيعة معرفية أو فنية مع عالم الأدب، بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًّا وضروريًّا له في أرض الواقع الصاخب والمليء بالتحولات الكبرى. فبعد عام 2003، والاحتلال الأمريكي الجبان لعراقنا الحبيب، تغير وجه الواقع تمامًا، وتحول العالم من حولي إلى نص مفتوح مليء بالأحداث المتسارعة التي تستدعي التوثيق والمعاينة الفورية. وكان لا بد لي من مغادرة صومعة التأمل الشعري الصرف والنزول إلى ميدان الاشتباك اليومي والمباشر مع تفاصيل الحياة والناس.

الصحافة المهنية منحتني فرصة نادرة لمعاينة الحقيقة وهي تولد من رحم المعاناة والأحداث، وجعلت قلمي أكثر التصاقًا بهموم المجتمع وتطلعاته. الحرف الذي كان يبحث عن الاستعارة البعيدة والصورة الخيالية في الشعر، صار يبحث عن الوثيقة الدامغة والشهادة الحية في الصحافة. هذا التحول أغنى تجربتي الإنسانية بعمقٍ وافر، وجعلني أرى الكلمة في دورتها الكاملة أداةً فاعلة للتغيير والتنوير والتأريخ.


س7/ كيف يوازن عمار عبد الواحد بين حساسية الشاعر وموضوعية الصحفي؟

ج/ الموازنة هنا تمثل مهارة معقدة تشبه السير الدقيق على حبلٍ مشدود بين ضفتين متباعدتين: ضفة المشاعر الإنسانية المتدفقة، وضفة الحقائق العلمية والوقائع الصلبة. الصحفي في داخلي يلتزم التزامًا صارمًا بقيم الدقة والحياد ونقل الحدث كما هو في أرض الواقع، دون تزييف أو مبالغة أو تلوين عاطفي. لكن الشاعر لا يغيب تمامًا عن هذا المشهد، بل يقف في الخلفية ليمنح النص الصحفي عمقًا إنسانيًّا وزاوية رؤية مغايرة تتجاوز السطح.

الشاعر في داخلي هو من يجعلني أرى الإنسان وراء الرقم الجاف، ويلمح القصة المؤثرة خلف الخبر العابر. وفي المقابل، فإن الموضوعية الصحفية تتدخل لتمنع الشاعر من الانجراف وراء العاطفة المفرطة في مواقف تتطلب العقل والبرهان والتحليل الرصين. هما في النهاية وجهان لعملة إبداعية واحدة؛ الشاعر يمنح النص روحه الإنسانية، والصحفي يمنحه جسده الواقعي المتماسك.


س8/ عملت في أكثر من صحيفة ومجلة… ما التجربة التي تعتبرها نقطة تحول في مسيرتك الصحفية؟

ج/ كل محطة صحفية مررت بها في مسيرتي تركت في داخلي أثرًا معرفيًّا لا يُمحى، وأضافت مدىً جديدًا في بناء خبرتي المهنية المتراكمة، خصوصًا صحيفة “المشرق” التي أعتبرها مدرسة صحفية كبرى.

لكن التحول الحقيقي والعميق في مسيرة الصحفي يحدث دائمًا حين ينتقل من مرحلة التلقي ومجرد نقل الأخبار الجاهزة إلى مرحلة صناعة المحتوى الرصين وتحليل الظواهر السياسية والاجتماعية وتفكيكها. التجارب التي أتاحت لي الاحتكاك المباشر مع الميدان ومواجهة الأحداث الساخنة وجهًا لوجه في ظروف معقدة، كانت هي المحك الأبرز والأقوى، حيث يتعلم المرء كيف يحافظ على بروده المهني واتزانه الفكري وسط النيران والأزمات. وفي تلك اللحظات الحرجة بالذات تكتشف مرونة قلمك وقدرتك على صياغة الحقيقة تحت الضغط العالي، وهي التجربة الوجودية والمهنية التي صقلت هويتي الصحفية ومنحتني الثقة الكاملة بمواصلة هذا الطريق الشاق.


س9/ في ملاحقة الخبر، هل واجهت لحظات شعرت فيها بثقل الحقيقة أكثر من قدرتها على الكتابة؟

ج/ نعم، بكل تأكيد، وقد تكرر هذا الأمر في مواقف عديدة ومؤثرة. فالحقيقة في كثير من الأحيان تكون أشد قسوة ومرارة من أن تتسع لها الكلمات أو تحتملها السطور البيضاء. في ميادين الصحافة نلتقي وجهًا لوجه بمواقف إنسانية غاية في الصعوبة، وبحقائق عارية ومؤلمة تجعل القلم يقف عاجزًا ومكبّلًا أمام ثقل الواقع وجبروته.

في تلك اللحظات القاسية يشعر الكاتب بضآلة الحرف ومحدوديته أمام حجم المأساة البشرية المشهودة، وتصبح الكتابة نفسها عبئًا ثقيلًا على الروح، لأنك تدرك تمامًا أن ما تنقله ليس مجرد حبر يسيل على ورق، بل هو مصائر بشر حقيقيين وآلام حيّة تعيش في لحم الواقع. الكتابة في هذه المواقف تتحول من فعلٍ إبداعي جمالي إلى مسؤولية أخلاقية وتاريخية وإنسانية كبرى تفوق طاقة الاحتمال أحيانًا.


س10/ امتداد تجربتك إلى الإعلام الرياضي… ماذا أضاف لك هذا المجال المختلف؟

ج/ تقصد الصحافة الرياضية، لأنني في الأساس لم أعمل في الإعلام الرياضي أبدًا.

في منظوري، ليست الصحافة الرياضية مجرد تغطية إخبارية للملاعب ورصد لنتائج المباريات، بل هي رصد دقيق لثقافة مجتمعية كاملة تمتاز بالحركة الدائمة والشغف الجماهيري والدراما الإنسانية المستمرة. هذا المجال الحيوي أضاف لتجربتي المهنية مرونة لغوية من نوع مختلف، وجعلني أتعامل مع مفردات وتراكيب تتسم بالسرعة والإثارة والحيوية والتدفق.

الرياضة في جوهرها قائمة على التنافس الشريف والقصص الإنسانية الملهمة من كفاح وإحباط وصبر وانتصار، وهذا يتشابه كثيرًا مع التيمات الكبرى التي يقوم عليها الأدب الرفيع. الصحافة الرياضية علمتني ككاتب كيف أوجّه خطابي إلى جمهور واسع ومتنوع للغاية يبحث عن المتعة البصرية والحقيقة الرقمية في آنٍ واحد، وهو ما يكسر النمطية والجمود اللذين قد يقع فيهما الكاتب أحيانًا في المجالات الأخرى.


س11/ كتابك “قصائد لم تقرأها الريح”… ما الذي أردت أن تقوله بهذا العنوان؟

ج/ هذا العنوان يحمل في طياته مجازًا عميقًا عن تلك المشاعر الإنسانية والأفكار البكر التي تظل حبيسة الروح والوجدان، ولا تجد طريقًا سهلًا للخروج إلى العلن لأنها لم ترَ النور. والريح في الموروث الأدبي والرمزي هي المسافر الدائم الذي ينقل الأصوات والرسائل والأنباء من مكان إلى آخر. وحين نكون أمام “قصائد لم تقرأها الريح”، فهذا يعني بالضرورة أنها النصوص الأكثر حميمية وعمقًا وسرية؛ تلك التي كُتبت في لحظات العزلة التامة والانفصال عن صخب العالم، ووُجهت إلى غائبة أو إلى الذات دون أي رغبة في الاستعراض أو النشر السريع.

هو تعبير رمزي عن الحقيقة الفنية والمشاعر الصادقة العفوية التي لا تبحث عن تصفيق الجمهور أو الأضواء، بل تبحث عن سكينتها الخاصة وخلاصها الذاتي في باطن الغيب.


س12/ في مجموعتك القصصية “انتظار”، هل كنت ترصد المجتمع أم الذات؟

ج/ في عالم الفن والقصة القصيرة على وجه الخصوص، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال الفصل التعسفي بين المجتمع والذات. فالمجتمع ليس كائنًا غريبًا أو هلاميًّا، بل هو مجموعة من الذوات البشرية التي تتفاعل وتشقى وتحلم وتنتظر.

في مجموعة “انتظار” كنت أرى ذاتي بوضوح في مرايا الآخرين، وأرى الآخرين وتفاصيلهم في مرآتي الخاصة. فالانتظار حالة إنسانية وجودية عامة يعيشها المجتمع ككل في تفاصيله اليومية والسياسية والمعيشية، وبالمقابل هي تجربة ذاتية عميقة يمر بها كل فرد في بحثه المضني عن الخلاص أو الأمل أو التغيير. لذا فإن المجموعة كانت بمثابة رصدٍ أدبي لحركة الروح الداخلية وهي تواجه وطأة الزمن الخارجي وثقله بكل تجلياته وانكساراته.


س13/ هناك من يعيش بعد انتهاء العلاقة وكأن الماضي لم ينتهِ… كيف يرى عمار عبد الواحد علاقة الإنسان بذاكرته العاطفية؟

ج/ الذاكرة العاطفية للإنسان ليست دفترًا عاديًّا نطويه أو نمزق صفحاته متى شئنا، بل هي ندوب غائرة محفورة في عمق التكوين النفسي والإنساني. فالإنسان لا يشفى من ماضيه بسهولة، والانتهاء الظاهري أو الجغرافي للعلاقات لا يعني بالضرورة نهايتها الفعلية في الوجدان والروح.

نحن نعيش بالذاكرة وفي داخلها، وتصبح الأماكن المشتركة والكلمات العابرة والأغنيات القديمة محطات استعادة مستمرة لا تتوقف. الشاعر في داخلي يرى في هذا البقاء والارتباط وفاءً إنسانيًّا نبيلًا وتجربةً ملهمة تثري فعل الكتابة، والصحفي يراه جزءًا حتميًّا من طبيعة النفس البشرية التي تميل فطريًّا إلى التعلق بكل ما ترك أثرًا عميقًا في مسيرتها. الماضي لا ينتهي ببساطة، لأنه يشكل المادة الخام الأساسية لبناء حاضرنا ومستقبلنا ومشاعرنا.


س14/ كيف ترى حضور الكاتب العربي في المنصات الدولية اليوم؟

ج/ الحضور الأدبي والفكري للكاتب العربي اليوم يمر بمرحلة مخاض متميزة وبداية انفتاح حقيقي بفضل حركة الترجمة والاتصال الرقمي الواسع. وصار هناك صوت عربي مغاير يصل إلى المنصات الدولية محمّلًا بخصوصية ثقافية وتجارب إنسانية فريدة غير مكررة.

لكن هذا الحضور، رغم تميزه، لا يزال يحتاج إلى مزيد من الرعاية المؤسساتية والدعم المنظم، فالكاتب العربي غالبًا ما يصل إلى تلك المحافل الدولية بجهده الفردي الخالص ومعاناته الشخصية وعلاقاته المحدودة. العالم اليوم، في ظل التنميط، يبحث بشغف عن الحكايات الصادقة والعميقة، والإنسان العربي يمتلك خزينًا هائلًا وتاريخيًّا من القصص والتحولات التي تستحق أن تُروى للعالم، بشرط أن تُقدَّم بلغة إنسانية رفيعة تتجاوز النمطية الضيقة والصور المعلبة مسبقًا.


س15/ المخطوطات التي لم تُنشر بعد… هل هي انتظار أم إعادة تشكيل؟

ج/ هي تزاوج وعلاقة جدلية بين الاثنين معًا؛ فهي في حالة انتظار واعية للحظة النضوج الفكري الكامل والوقت الإنساني المناسب لكي تخرج إلى الضوء والجمهور، وفي الوقت نفسه تعيش في ورشة عمل ومراجعة مستمرة لإعادة التشكيل والصقل والتهذيب.

الكاتب الحريص على تاريخه واسمه لا يستعجل فعل النشر رغبةً في التواجد فحسب، بل يترك نصوصه لكي تختمر بمرور الزمن وتنضج على نار هادئة. المخطوطات التي تقبع في الأدراج تكتسب مع مرور الأيام والسنوات عمقًا جديدًا ورؤية مختلفة، حيث يعود إليها الكاتب بعين ناقدة وفاحصة وعقل أكثر خبرة بالحياة وبالأداة اللغوية، فيحذف ويضيف ويصقل حتى تصبح هذه النصوص جديرة بالقارئ الواعي.


س16/ ماذا تمثل لك الكتابة اليوم: رسالة أم حياة أم خلاص؟

ج/ الكتابة في مرحلتي الحالية تمثل كل هذه المفاهيم الكبرى مجتمعة في سياق وجودي واحد لا يتجزأ. هي حياة كاملة، لأنني لا أعرف طريقة أخرى للوجود الحقيقي والتنفس في هذا العالم دون أن أصوغ تفاصيله وأحداثه في كلمات وجمل.

وهي رسالة سامية، لأنني أؤمن إيمانًا مطلقًا بمسؤولية الكلمة وقدرتها على إحداث وعي حقيقي في عقل القارئ، ونقل الحقيقة، ونصرة قضايا الإنسان أينما كان. وهي بالتأكيد خلاص ذاتي ونفسي من ثقل الواقع ومراراته الكثيرة، وملاذ آمن نلوذ إليه جميعًا لكي نرمم انكساراتنا الداخلية ونعيد بناء أحلامنا المجهضة على الورق بكل حرية ودون خوف من الرقيب أو الزمن.


س17/ لو خُيّرت أن تُختزل سيرتك في صفة واحدة… شاعر أم صحفي؟

ج/ سؤال مهم وحساس يا أخ فايل، وضعتني بين حيرتين. ولو كان لا بد من الاختيار الحتمي واختزال العمر في صفة واحدة، فإنني أختار دون تردد صفة “الإنسان الذي يكتب”.

فالشعر هو روحي وحريتي المطلقة وفضائي التأملي، والصحافة هي عيني الفاحصة ومسؤوليتي الأخلاقية والمهنية تجاه الواقع والناس. ولا يمكنني بأي حالٍ من الأحوال بتر أحدهما لصالح الآخر. فالشاعر هو الذي يمنح الصحفي في داخلي العمق الإنساني والبلاغي، والصحفي هو الذي يمنح الشاعر الرصانة والواقعية والالتزام بقضايا المجتمع.

أنا عمار عبد الواحد؛ الكاتب الذي يلاحق الحقيقة العارية في الصحافة، ويبحث عن الجمال المصفّى في الشعر، وكلاهما يشكلان معًا هويتي الإنسانية والإبداعية التي أعتز بها، مكمّلًا أحدهما الآخر في نسيج واحد لا ينفصم.


الخاتمة

في مجلس الحكواتي، لا تُغلق الأسئلة الأبواب، بل تفتح نوافذ أخرى للحكاية…

ويبقى صوت التجربة أوسع من كل سؤال، وأعمق من كل إجابة.

شكرًا لضيفنا الشاعر والصحفي عمار عبد الواحد، وشكرًا لكم في مجلس الحكواتي… حيث يبدأ الكلام ولا ينتهي.

إعداد وحوار: فايل المطاعني (الحكواتي)

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img