جيل ينتظر البداية

نشرت :

أحمد الفقيه العجيلي

هناك شعورٌ صامت بدأ يتكرر في أحاديث كثير من الشباب اليوم، حتى أولئك الذين لا يشتكون كثيرًا.
شعور بأن الحياة تتأخر أكثر مما ينبغي، وأن الأشياء البسيطة التي كانت تبدأ مبكرًا عند الأجيال السابقة، أصبحت تحتاج سنوات طويلة من الانتظار والقلق والتأجيل.

فالوظيفة لم تعد سهلة، والزواج أصبح أكثر تعقيدًا، والاستقرار الذي كان يأتي بصورة طبيعية، صار بالنسبة للبعض مشروعًا مؤجلًا إلى أجل غير واضح.

ومؤخرًا، وصلني إعلان لوظائف حكومية، لكن اللافت لم يكن عدد الوظائف بقدر ما كان عدد المتقدمين لها.
ففي أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تجاوز عدد المتقدمين حاجز خمسةٍ وثلاثين ألف متقدم، مقابل نحو (757) شاغرًا فقط.

الرقم بحد ذاته كان صادمًا.
ليس لأنه يكشف حجم الباحثين عن عمل فقط، بل لأنه يختصر حالة كاملة من القلق والانتظار يعيشها كثير من الشباب وهم يحاولون الإمساك ببداية مستقرة لحياتهم.

فالوظيفة اليوم لم تعد مجرد راتب آخر الشهر، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين المفتاح الذي تتعلق به تفاصيل الحياة الأخرى:
السكن، وتكوين الأسرة، وشراء السيارة، والاستقرار النفسي، والشعور بأن العمر يسير بصورة طبيعية لا متعثرة.

ولهذا لم تعد أزمة الباحثين عن عمل مجرد ملف إداري أو اقتصادي، بل تحولت تدريجيًا إلى قضية اجتماعية تمس شكل الحياة نفسها داخل المجتمع.

فالذي يتأخر في الحصول على وظيفة، يتأخر غالبًا في الزواج.
والذي يعيش قلق التسريح أو ضعف الأمان الوظيفي، يصعب عليه أن يخطط لمستقبل واضح.
وحتى كبار السن الذين أفنوا أعمارهم في العمل، بات بعضهم يشعر أن تكاليف الحياة أصبحت أثقل من قدرتهم على الاحتمال، وخاصة بعد قطع منفعة كبار السن عن بعضهم.

وقد سبق أن تناولتُ في مقالات سابقة قضايا الباحثين عن عمل، والتسريح، والمنافع الاجتماعية، لأن هذه الملفات في الحقيقة ليست متفرقة كما تبدو، بل تتصل جميعها بفكرة واحدة:
الأمان المعيشي.

وفي الجهة الأخرى، تظهر أرقام اقتصادية كبيرة تثير الانتباه.
فجهاز الاستثمار العُماني أعلن تحقيق أرباح تُقدّر بمليارات الريالات، كما تكشف بيانات الموازنة عن إيرادات ضخمة تحققها مؤسسات وجهات مختلفة في الدولة.

ولا شك أن هذه النتائج تُعد أمرًا إيجابيًا يعكس وجود مؤسسات قوية وموارد وفرص حقيقية داخل البلد، لكن السؤال الذي يتكرر بين الناس يبقى حاضرًا:

إذا كانت هناك أرباح وإيرادات بهذا الحجم، فلماذا لا تزال طوابير الباحثين عن عمل تكبر عامًا بعد آخر؟

هذا السؤال لا يُطرح من باب الاعتراض على نجاح المؤسسات، بل من رغبة الناس في أن ترى أثر هذه النجاحات ينعكس بصورة أوضح على حياتها اليومية؛ في الوظائف، والاستقرار، وتحسين الدخل، والشعور بالأمان تجاه المستقبل.

فالناس لا تعيش داخل التقارير المالية، بل داخل واقعها اليومي، حيث الإيجارات، والالتزامات، وتأخر الزواج، والخوف من المستقبل.

ولعل هذا ما جعل بعض الدول تبدأ بالنظر إلى هذه الملفات باعتبارها مترابطة، لا قضايا منفصلة عن بعضها.

ومن الأمثلة اللافتة مؤخرًا ما أعلنته تركيا ضمن ما سمّته “عقد الأسرة والسكان”، حين بدأت تتعامل مع انخفاض الزواج وتراجع الإنجاب وارتفاع متوسط الأعمار باعتبارها قضية تمس مستقبل المجتمع والدولة معًا.

فالحديث هناك لم يكن عن الزواج باعتباره شأنًا شخصيًا فقط، بل عن علاقة البطالة وتأخر الاستقرار وارتفاع تكاليف الحياة بمستقبل الأسرة والمجتمع.

ولهذا جاءت المعالجات بصورة مترابطة:
قروض زواج ميسّرة، دعم للأسر، تسهيلات سكنية، محاولات لمعالجة البطالة، وتأهيل للمقبلين على الزواج، إلى جانب الحديث عن حماية الأسرة من التحولات الثقافية والرقمية التي غيّرت نظرة كثير من الأجيال الجديدة للحياة والاستقرار.

وحين يتأمل الإنسان بعض هذه التفاصيل، يشعر أن جزءًا كبيرًا منها يشبه ما نعيشه نحن أيضًا، وإن اختلفت الظروف والحجم.

فكم شابًا اليوم أخّر فكرة الزواج لأنه لا يملك وظيفة مستقرة؟
وكم باحث عن عمل تجاوز الثلاثين وهو لا يزال ينتظر بداية حقيقية لحياته؟
وكم شخص وجد نفسه عالقًا في دائرة مرهقة؛ لا وظيفة لأنه بلا خبرة، ولا خبرة لأنه لم يُمنح الفرصة الأولى؟

بل إن بعض الفرص الوظيفية ما زالت تشترط أعمارًا محددة، بينما الواقع نفسه جعل كثيرًا من الشباب يقضون سنوات طويلة في الانتظار، حتى تجاوز بعضهم العمر الذي تمنحه تلك الفرص أولوية أكبر.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا:
لا يستطيع بعض الشباب الزواج لأنه بلا وظيفة، ثم لا يجد فرصة عمل مستقرة لأن العمر تأخر به، وكأن سنوات الانتظار أصبحت تُحسب ضده.

ومن القضايا التي تُطرح بين فترة وأخرى لدينا فكرة “صندوق الزواج”، وهي فكرة جيدة من حيث المبدأ، لكن السؤال الواقعي يبقى حاضرًا:

كيف يمكن للباحث عن عمل أن يتقدم لصندوق زواج، بينما هو لا يملك أصلًا دخلًا ثابتًا أو وظيفة مستقرة؟

فالمشكلة ليست في غياب الرغبة في الزواج، بل في شعور كثير من الشباب أن الطريق إليه أصبح طويلًا ومرهقًا ومليئًا بالهواجس.

ولهذا، فإن معالجة هذه القضايا لا يمكن أن تكون عبر حلول جزئية أو مؤقتة فقط، لأن الملفات كلها أصبحت متشابكة بصورة واضحة.

وقد يكون من المهم اليوم التفكير بجدية في:

● دعم المشاريع الإنتاجية وربطها بالسوق الحقيقي لا بالاستهلاك المؤقت.

● توسيع القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة مثل الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والسياحة.

● مراجعة بعض سياسات سوق العمل التي ما زالت تعاني اختلالات واضحة.

● تعزيز الحماية الوظيفية في القطاع الخاص حتى لا يبقى القلق ملازمًا للعاملين فيه.

● إيجاد مسارات حقيقية لإعادة تأهيل المسرحين ودمجهم اقتصاديًا بدل تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.

● إعادة تقييم بعض المنافع الاجتماعية بما يتناسب مع تكاليف الحياة الحالية.

ومن المهم أيضًا أن يتحمل المجتمع جزءًا من مسؤوليته، خاصة فيما يتعلق بالمبالغة أحيانًا في تكاليف الزواج والمظاهر الاجتماعية التي زادت العبء على الشباب بدل أن تخففه.

لكن في المقابل، تبقى هناك حقائق لا يمكن تجاهلها:
ارتفاع تكاليف الحياة، وتأخر الوظائف، وضعف بعض الرواتب، والتسريح، والقلق المستمر تجاه المستقبل.

ولذلك فإن نجاح أي مشروع اقتصادي لا يُقاس فقط بحجم الأرباح والإيرادات، بل بقدرته على خلق إنسان مستقر يشعر أن له مكانًا واضحًا داخل هذا المستقبل.

فالدول لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالإنسان الذي يشعر بالأمان في بيته، وعمله، وعلاقاته، ومستقبل أبنائه.

وربما أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات، ليس الفقر وحده، بل أن يشعر الشباب أن أعمارهم تمضي وهم ما زالوا ينتظرون بداية لم تأتِ بعد.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img