عاشت المرأة في ظفار لعقود طويلة وهي تتحمل أعباء الحياة بأكملها تقريبًا؛ فكانت الأم والراعية والعاملة وحارسة الأسرة في آن واحد. في زمن لم تكن فيه مستشفيات ولا عيادات ولا غرف ولادة ولا متابعة للحمل أو رعاية للأم والطفل، كانت تواجه الحمل والولادة وسط ظروف بالغة القسوة، ثم تعود إلى أعمالها اليومية دون أن يمنحها الواقع فرصة للراحة. فترعى الماشية، وتجلب الماء والحطب، وتحمل الحشيش لإطعام صغار الحيوانات، وتعد الطعام إن وجد، وتواصل كفاحها من أجل بقاء الأسرة واستمرار الحياة.
لقد عانت أمهاتنا وأمهاتهن من مشاق تفوق الوصف، حملن أبناءهن في بطونهن، ثم حملن أعباء الحياة على ظهورهن. فقد كانت الواحدة منهن تضع مولودها في ظروف شديدة القسوة، ثم تعود وهي تحمل طفلها بين ذراعيها وما جمعته من حطب أو ماء أو علف، في مشهد يجسد حجم المعاناة التي عاشتها المرأة الظفارية آنذاك.
وأبناء الجيل الذين تجاوزوا اليوم الخمسين من العمر، ومن سبقهم من الأجيال، هم الشاهد الحي على تلك المرحلة؛ فقد وُلدوا في تلك الظروف الصعبة التي افتقرت إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والخدمات الأساسية. ولم تكن تلك المعاناة استثناءً أو حادثة عابرة، بل كانت واقعًا يوميًا عاشه المجتمع بأكمله، وكانت المرأة تتحمل النصيب الأكبر من أعبائه.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التحولات الوطنية التي شهدتها البلاد لاحقًا، إذ لم يكن التغيير مجرد انتقال من مرحلة إلى أخرى، بل استجابة لحاجة إنسانية ملحة فرضها واقع الفقر والحرمان والعزلة. كما أسهم الحراك الوطني الذي برز في تلك المرحلة في التعجيل بوتيرة التغيير والدفع نحو واقع أكثر إنسانية وعدالة، الأمر الذي ساعد على تسريع وصول الخدمات الأساسية وتحسين ظروف الحياة التي كان الناس يتطلعون إليها منذ زمن طويل.
ولولا تلك التحولات وما رافقها من جهود وطنية وتنموية، لربما استمر ذلك الواقع القاسي لفترة أطول، ولظلت المرأة والطفل والمجتمع عمومًا يدفعون أثمانًا باهظة من صحتهم واستقرارهم ومستقبلهم. لذلك فإن استذكار تلك المرحلة ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي، بل هو وفاء لجيل من النساء الصابرات اللواتي حملن على أكتافهن أعباء الحياة، وتقدير لتضحياتهن التي مهدت الطريق للأجيال اللاحقة كي تعيش في ظروف أكثر أمنًا وكرامة وإنسانية.
رحم الله أمهاتنا وجداتنا اللواتي واجهن تلك الظروف القاسية بصبر وعزيمة، ولم تسنح لهن الحياة أن يشهدن ما تنعم به أمهات اليوم من رعاية صحية وخدمات ووسائل عيش أكثر استقرارًا وكرامة. وإذا كانت أمهات الحاضر يعشن واقعًا مختلفًا، فإن ذلك لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة معاناة طويلة وتضحيات جسام قدمتها أجيال من النساء اللواتي صبرن وكافحن في زمن الشدة، فاستحققن أن يُذكرن بكل إجلال وعرفان.
علي العايل


