السمات القيادية لحكام البوسعيد في عُمان

نشرت :

كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي


صحار- عُمان/ السبت ٣٠/٥/٢٠٢٦

حين أدى مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه صلاة عيد الأضحى المبارك في ولاية صحار، لم يكن المشهد مجرد حضورٍ سلطاني في مدينةٍ عريقة، بل كان عودةً رمزية إلى الجذر الأول الذي انطلقت منه دولة البوسعيد، وإلى المرفأ الذي أبحرت منه سفينة التاريخ العُماني نحو قرونٍ من الحكمة والسيادة والاتزان.

فصحار ليست مجرد ولايةٍ على ساحل البحر، بل ذاكرة وطن، وبوابة مجد، وعنوان بداية لواحدةٍ من أعرق الأسر الحاكمة في الجزيرة العربية. ومن هنا، من هذه الأرض التي تلامس البحر ويعانقها التاريخ، بزغ نجم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤسس الدولة البوسعيدية، ليكتب فصلاً جديداً في تاريخ عُمان، عنوانه: القيادة التي تُبنى بالحكمة قبل القوة، وبالوحدة قبل السلطان.

لقد تميز حكام البوسعيد عبر امتداد الزمن بسماتٍ قيادية نادرة، جعلت من الدولة العُمانية نموذجاً في الاستقرار والاتزان السياسي والامتداد الحضاري. فمنذ الإمام أحمد بن سعيد، ظهرت ملامح القائد العُماني الذي يجمع بين الحزم والبصيرة، وبين الشجاعة والرحمة، وبين القدرة على إدارة الداخل بحكمة، والتعامل مع الخارج بنديةٍ ودبلوماسية رفيعة.

كان الإمام أحمد بن سعيد قائداً استثنائياً في مرحلةٍ عصيبة من تاريخ عُمان، استطاع أن يوحد الصفوف بعد سنواتٍ من الاضطراب والانقسام، وأن يعيد للدولة هيبتها، وللبحر العُماني مكانته، وللإنسان العُماني ثقته بوطنه. ومن أبرز سماته القيادية قدرته على تحويل الأزمات إلى بدايات، والفوضى إلى دولة، والتحديات إلى فرص للنهوض.

ثم تعاقب حكام البوسعيد، وكلٌ منهم يضيف لبنةً جديدة في بناء الدولة العُمانية الحديثة، لكنهم ظلوا يشتركون في سماتٍ أصيلة شكّلت الهوية القيادية لهذه الأسرة الكريمة.

ومن أبرز هذه السمات: الحكمة السياسية. فقد عُرف حكام البوسعيد بقدرتهم على قراءة التحولات الإقليمية والدولية بعقلٍ متزن، بعيداً عن الانفعال والمغامرة. ولذلك حافظت عُمان عبر تاريخها الحديث على سياسةٍ تقوم على الاعتدال، واحترام الجوار، ومد جسور الحوار، حتى أصبحت الدبلوماسية العُمانية مدرسةً قائمة بذاتها، يشار إليها بالبنان في المحافل الدولية.

كما برزت سمة القيادة الإنسانية بوضوح في نهجهم؛ إذ ظل الإنسان العُماني محور التنمية وغاية الدولة. ولم تكن القيادة عندهم مجرد إدارةٍ للحكم، بل رعاية للمجتمع، وصون للكرامة، وحفظ للنسيج الوطني بكل تنوعاته الثقافية والجغرافية والاجتماعية.

أما السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه فقد جسّد نموذج القائد الملهم الذي أعاد تشكيل عُمان الحديثة بروحٍ حضارية متفردة. حمل الوطن من عزلةٍ جغرافية إلى حضورٍ عالمي، ومن البساطة إلى النهضة، دون أن يقتلع الإنسان العُماني من جذوره أو يجرّده من هويته. فكانت قيادته مزيجاً مدهشاً من الرؤية، والصبر الاستراتيجي، والإيمان العميق بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.

وفي عهد مولانا السلطان هيثم بن طارق حفظه الله تستمر ذات المدرسة القيادية العريقة، ولكن بروح العصر وأدوات المستقبل. فقد ظهرت منذ بدايات عهده سمات القائد الهادئ الواثق، الذي يقود الدولة برؤيةٍ متزنة نحو التحول الاقتصادي والتحديث المؤسسي، مع الحفاظ على ثوابت الدولة العُمانية وقيمها الراسخة.

ويبرز في شخصيته الكريمة الحس الدبلوماسي الرفيع، والإيمان العميق بالشراكة المجتمعية، والحرص على بناء دولة المؤسسات والقانون، إلى جانب اهتمامه بالثقافة والهوية والتنمية المستدامة. وهي سمات تعكس الامتداد الطبيعي لنهج البوسعيد القائم على الحكمة والتدرج والوعي بالتاريخ والجغرافيا والإنسان.

إن تأدية جلالته صلاة العيد في صحار تحمل رسالةً وطنية عميقة؛ فالقادة العظام لا ينسون البدايات، والدول الراسخة تستمد قوتها من وفائها لجذورها. وفي صحار، حيث بدأت الحكاية قبل قرون، يتجدد المشهد اليوم بصورةٍ تفيض بالرمزية والانتماء، وكأن التاريخ يلتفت إلى نفسه مبتسماً.

لقد استطاع حكام البوسعيد أن يجعلوا من القيادة فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون سلطة، وأن يؤسسوا دولةً تستند إلى التوازن، وتحترم الإنسان، وتؤمن بأن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالحكمة والعدل والاحتواء.

وهكذا تبقى عُمان، بقيادتها الحكيمة، سفينةً تمضي بثبات وسط أمواج العالم المتغيرة، ويظل البوسعيد عنواناً لقيادةٍ صنعت من الاعتدال مجداً، ومن الحكمة إرثاً، ومن صحار بدايةً لا تزال تنبض في ذاكرة الوطن حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img