أحمد الفقيه العجيلي
لا يبدو أن أحدًا قادر اليوم على القول إن المنطقة تتجه فعلًا نحو تهدئة حقيقية.
كلما خرجت أخبار تتحدث عن تقدم في المفاوضات، يظهر بعد ساعات ما يعيد التوتر من جديد؛ مناوشات في البحر، تصريحات حادة، أو شروط جديدة تُطرح فجأة وكأن الجولة السابقة لم تكن أصلًا.
وخلال الأيام الأخيرة، بدا المشهد مرتبكًا أكثر من المعتاد.
الحديث عن هرمز لم يعد مرتبطًا فقط بالملاحة والطاقة، بل أصبح جزءًا من لعبة الضغط نفسها. حتى المناوشات البحرية الأخيرة لم تُقرأ باعتبارها حادثًا منفصلًا، بل كرسالة مرتبطة بما يجري على طاولة التفاوض.
والواضح أن المشكلة لم تعد فقط في الوصول إلى اتفاق، بل في شكل التفاوض نفسه.
كل جولة تدخل بشروط، ثم تخرج بشروط أخرى. أحيانًا يبدو وكأن الأطراف تتفاوض فقط حتى لا يُقال إنها أوقفت التفاوض، لا لأنها اقتربت فعلًا من تسوية مستقرة.
ومن يتابع التصريحات القادمة من واشنطن وطهران يلاحظ أن لغة “الحلول النهائية” اختفت تقريبًا.
الحديث الآن يدور حول الضمانات، والردع، وما يمكن الاحتفاظ به من أوراق ضغط.
حتى التهدئة نفسها تبدو مؤقتة، أو قابلة للتراجع في أي لحظة.
لكن ما شدّ انتباهي أكثر خلال الفترة الأخيرة، أن لبنان عاد فجأة إلى واجهة المشهد بالتزامن مع تعثر المسار التفاوضي الأمريكي ـ الإيراني. فالتصعيد هناك لا يبدو بعيدًا عما يجري في الخليج، خصوصًا مع الحديث عن مفاوضات واتصالات مرتبطة بترتيبات الجنوب اللبناني والعلاقة مع إسرائيل.
ويبدو أن طهران لا تريد فصل الملف اللبناني عن بقية الملفات الإقليمية، بينما تميل واشنطن إلى العكس تمامًا؛ أي إبقاء كل مسار منفصلًا عن الآخر. وربما لهذا السبب تبدو الساحات وكأنها تتحرك معًا: كلما تعثر ملف، ارتفع التوتر في مكان آخر.
حتى الوسطاء هذه المرة لم يعودوا خارج دائرة الضغط.
فسلطنة عُمان، التي ارتبط اسمها طويلًا بمحاولات التهدئة وفتح القنوات الخلفية، والتي اعتادت أن تلعب دور المساحة الهادئة بين الخصوم، وجدت نفسها مؤخرًا ضمن خطاب سياسي أكثر توترًا من المعتاد، وكأن هامش التهدئة نفسه بدأ يضيق.
والمقلق في كل ذلك، أن المنطقة بدأت تتعامل مع هذا المشهد وكأنه وضع قابل للاستمرار.
توتر يرتفع ثم يهدأ، مفاوضات تتعثر ثم تعود، وأسواق تتفاعل مع كل تصريح وكأنها تعيش على الأعصاب طوال الوقت.
لكن استمرار هذه الحالة لفترة أطول لن يكون بلا كلفة.
فمضيق هرمز ليس قضية تخص دول المنطقة وحدها، بل شريان تمر عبره مصالح اقتصادية تمتد إلى آسيا وأوروبا والأسواق العالمية. وكلما طال أمد التوتر، ازدادت الضغوط على سلاسل الإمداد، وارتفعت كلفة التأمين والشحن، وبقيت أسواق الطاقة رهينة للتوقعات أكثر من الحقائق.
وربما تكمن المفارقة هنا في أن أكثر المتضررين من استمرار هذا الاستنزاف ليسوا أطراف الصراع وحدهم، بل شركاؤهم وحلفاؤهم أيضًا، وفي مقدمتهم دول الخليج التي يرتبط استقرارها الاقتصادي والأمني بحركة التجارة والطاقة العالمية.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بإمكانية التوصل إلى اتفاق، بل بمدى قدرة المنطقة والعالم على تحمّل أزمة مفتوحة لا تنفجر بالكامل… ولا تنتهي بالكامل.


