🔹 عبدالله بن محمد العبري
قبل العيد بأيام قليلة، خرج ذياب من منزله وهو يردد وصية اولاده للمرة العاشرة: “لا تشتري إلا الأشياء الضرورية”. هز رأسه بثقة وقال: “لا تحتوا، هل ؟”. كانت المهمة بسيطة جدًا؛ بعض الحلوى للأطفال، وعدد من المستلزمات الخفيفة، ثم العودة إلى المنزل.
لكن ذياب، مثل كثير من الناس، كان يواجه خصمًا لا يستهان به: الأسواق قبل العيد.
بعد دقائق من دخوله المركز التجاري بدأت الخطة تتفكك بهدوء. في البداية توقف أمام علبة شوكولاتة أنيقة والكب كيك. لم يكن ينوي شراءها، لكنه تخيل شكلها على طاولة الضيوف. ثم رأى سلة هدايا جميلة وقال في نفسه: “يمكن نحتاجها”. وبعدها مر بجناح كامل مخصص لتوزيعات العيد، فشعر فجأة أن أطفاله يستحقون شيئًا مميزًا هذا العام. ومع كل خطوة كانت كلمة “ضروري” تتمدد حتى أصبحت تشمل أشياء لم تكن موجودة أصلًا في قائمته.
عندما عاد إلى السيارة، نظر إلى الأكياس المتراكمة بجواره ثم ابتسم ساخرًا. لم يكن يتذكر كيف انتقل من شراء الحلوى إلى تمويل معرض مصغر للهدايا الموسمية.
وفي طريق العودة، أعاد شريط الذكريات إلى الوراء. تذكر أعياد طفولته في العيون. لم تكن هناك علب فاخرة ولا تغليف مستورد ولا سلال موسمية. كان العيد يبدأ بصوت التكبيرات، ثم زيارات الأقارب، ثم القهوة العُمانية والحلوى التي يعرف الجميع طعمها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك لم يكن أحد يشعر أن شيئًا ناقصًا. لم يكن الأطفال أقل فرحًا، ولم تكن العلاقات أقل دفئًا، ولم تكن البيوت أقل كرمًا.
تساءل ذياب بينه وبين نفسه: متى أصبحت كل هذه الأشياء جزءًا من العيد؟
الحقيقة أن أحدًا لا يعرف الإجابة بدقة. لم يجتمع الناس يومًا ليقرروا أن الهدايا يجب أن تصبح أكبر، أو أن التغليف يجب أن يكون أفخم، أو أن توزيعات الأطفال يجب أن تتحول إلى مشروع متكامل. كل ما حدث أن شخصًا أضاف شيئًا جميلًا، فأعجب الآخرين. ثم أضاف آخر شيئًا أجمل، فأصبح ذلك هو المستوى الجديد. وبعد سنوات قليلة وجد الجميع أنفسهم يطاردون معيارًا اجتماعيًا لا يتذكرون كيف وُلد أصلًا.
هنا تكمن المفارقة التي يتحدث عنها الاقتصاد السلوكي كثيرًا. فذياب لم يشتر معظم تلك الأشياء لأنه يحتاجها فعلًا، بل لأنه لا يريد أن يكون مختلفًا عن الصورة التي يراها حوله. كان يعتقد أنه يتخذ قراراته بحرية كاملة، بينما كانت التوقعات الاجتماعية تجلس بجانبه في عربة التسوق وتختار معه دون أن يلاحظ.
والأطرف من ذلك أن ذياب نفسه كان قبل أيام يجلس مع أصدقائه يشكو من ارتفاع تكاليف المناسبات الاجتماعية. كانوا جميعًا متفقين على أن الأمور أصبحت أكثر كلفة مما ينبغي. لكنهم، في الوقت نفسه، كانوا يستعدون للمشاركة في رفع هذه التكاليف مرة أخرى. إنها كوميديا سوداء يشارك فيها الجميع؛ كل شخص يضيف حجرًا إلى الحمل الجماعي، ثم يلتفت متعجبًا من سبب ثقل الحمل.
عندما وصل إلى المنزل، استقبلته أسرته بفرح. ركض الأطفال نحو الأكياس، وامتلأ المجلس بالأحاديث والضحكات. جلس ذياب يراقب المشهد بصمت للحظات. ثم أدرك أن أكثر اللحظات جمالًا في تلك الليلة لم تكن داخل أكياس التسوق، ولم تكن في علبة الشوكولاتة الفاخرة، ولم تكن في التغليف الذي استغرق اختياره عشر دقائق كاملة.
كانت في الضحكة التي سمعها من سباع وصخر والخطاب، وفي دعابة أخيه، وفي حضور عائلته، وفي ذلك الشعور البسيط الذي لا يباع على الأرفف مهما ارتفع سعره.
عندها فهم ذياب شيئًا ربما يعرفه الجميع في أعماقهم. المشكلة ليست في الهدية، ولا في الكرم، ولا في الفرح بالعيد. المشكلة تبدأ عندما يتحول الجميل إلى واجب، وعندما يصبح ما كان اختيارًا حرًا التزامًا اجتماعيًا يخشى الناس التخلي عنه.
فالإنسان لا يشتري دائمًا ما يحتاج إليه، ولا حتى ما يريده أحيانًا. وفي كثير من الأحيان يشتري ما يعتقد أن الآخرين يتوقعون منه أن يشتريه. ثم يقضي بقية العام يتساءل كيف أصبحت الحياة اكثر تكلفة مما كانت عليه في السابق.
🔹 باحث في الاقتصاد السلوكي.
https://www.linkedin.com/in/abdullah-alabri
✉️ mrabri@gmail.com


