محسن المهري
ليس الهدف من هذا المقال استدعاء التاريخ أو التوقف عند مسألة عراقة الدولة العُمانية أو عمقها الحضاري؛ فهذه حقائق مستقرة لا تحتاج إلى إثبات أو إعادة طرح. لكن في عالم السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول بما لديها من إرث تاريخي، بل بقدرتها على إدارة الحاضر، وصناعة التوازن، والتعامل مع التحولات والضغوط بمنطق الدولة الفاعلة. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة موقع عُمان السياسي اليوم يجب أن تنطلق من أدواتها المعاصرة: دبلوماسيتها، علاقاتها الدولية، وموقعها الجيوسياسي.
في هذا الإطار، تبرز سلطنة عُمان كنموذج لدولة تعتمد “القوة الهادئة” كخيار استراتيجي، لا كحالة ظرفية. فهي لا تبني حضورها على منطق التصعيد أو الاستعراض، بل على منطق التوازن، وإدارة التباينات، وفتح مسارات الحوار في بيئة إقليمية ودولية معقدة ومتغيرة.
دبلوماسية التوازن وصناعة الثقة
تقوم السياسة العُمانية على مبدأ التوازن في العلاقات الدولية، بعيداً عن الاصطفافات الحادة أو الدخول في محاور متقابلة. هذا النهج منح السلطنة موقعاً دبلوماسياً مميزاً مكّنها من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متباينة، حتى في أشد فترات التوتر الإقليمي.
ومع تراكم هذا النهج عبر الزمن، ترسخت صورة عُمان كطرف يُنظر إليه باعتباره وسيطاً موثوقاً، يمتلك القدرة على تهيئة بيئة للحوار عندما تتعقد المسارات السياسية، ويُنظر إليه كعنصر تهدئة لا تصعيد.
—-‐———
الجغرافيا كعنصر قوة واستقرار
تمتلك عُمان موقعاً استراتيجياً على بحر العرب وقرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية للطاقة والتجارة. هذا الموقع يمنحها وزناً طبيعياً في معادلات الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الموقع ذاته فقط، بل في طريقة توظيفه. فبدلاً من تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط أو صراع، اختارت عُمان أن تجعل منه عنصر استقرار، يربط المصالح الدولية ويخفف من احتمالات التصعيد، وهو ما يعكس رؤية سياسية تعتبر الجغرافيا مسؤولية بقدر ما هي فرصة.
القوة الناعمة وبناء المصداقية الدولية
لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على فرض النفوذ، بل أيضاً بقدرتها على بناء الثقة. وقد اكتسبت الدبلوماسية العُمانية سمعة تقوم على الاتزان، والهدوء، والابتعاد عن التصعيد غير الضروري، ما جعلها طرفاً مقبولاً لدى أطراف دولية وإقليمية متعددة.
هذه المصداقية ليست نتيجة ظرف سياسي عابر، بل حصيلة تراكم طويل من سياسات متوازنة، ومقاربات عملية في إدارة الأزمات، جعلت من عُمان دولة يُؤخذ دورها بجدية في الملفات الحساسة.
شبكة علاقات دولية متعددة الاتجاهات
تحتفظ عُمان بعلاقات متوازنة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، ما يمنحها قدرة على الحركة الدبلوماسية في مساحات سياسية معقدة. هذا التنوع لا يعكس حياداً سلبياً، بل استقلالية في القرار السياسي، وحرصاً على تجنب الاستقطاب الحاد والانخراط في محاور متقابلة.
ومن خلال هذا النهج، عززت السلطنة موقعها كجسر تواصل بين أطراف متباينة، وحافظت على هامش سياسي يمنحها مرونة عالية في إدارة الأزمات دون خسارة الثقة أو التأثير.
وختاما عمان قوة تُقاس بالأثر لا بالصوت
تؤكد تجربة عُمان أن قوة الدولة لا تُختزل في أدوات القوة التقليدية، بل في القدرة على إنتاج الاستقرار في بيئة مضطربة. فهي قوة لا تُعلن نفسها بالتصعيد، بل تُقاس بالأثر الذي تتركه في لحظات التوتر، وبالمصداقية التي راكمتها عبر الزمن.
وفي عالم تتزايد فيه حدة الاستقطابات، تبدو القوة الهادئة خياراً استراتيجياً بحد ذاته، يثبت أن الاستقرار يمكن أن يكون شكلاً متقدماً من أشكال النفوذ، وأن الدول التي تُجيد إدارة التوازن قد تمتلك تأثيراً يتجاوز حجمها التقليدي في موازين القوة


