فَكَيْفَ نُوَدِّعُ الرَّيْحَانَ فِينَا … وَفَاطِمَةٌ لَنَا حُبٌّ وَدِينَا؟
مَضَتْ بَشُوشَةَ الوَجْهِ النَّقِيِّ … وَأَبْقَتْ فِي الحَشَا شَوْقاً دَفِينَا
أَيَا رَبَّ السَّمَاءِ صِلْهَا بِعَفْوٍ … وَأَسْكِنْهَا جِنَانَ الخَالِدِينَا
بهذه النبرةِ الممزوجةِ بالحزنِ والرجاءِ، يتجلّى معنى حُسنِ الخاتمة؛ ذلك السرُّ الإلهي الذي لا يُقاسُ بظاهرِ الحياة، ولا تُحدِّده مقاييسُ الدنيا من غنىً أو شهرة، بل تُحدِّده خفايا القلوب، وصدقُ الصلة بالله، وصفاءُ السريرة. إنَّ الرَّحيلَ الطَّيِّبَ لَيسَ مُصَادَفَةً، بَل هوَ حَصَادُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصِّدْقِ مَعَ الله.
أولاً: حَقِيقَةُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
حُسنُ الخاتمة هو أن يُقبَضَ العبدُ على حالٍ يُرضي الله، وأن يكون آخرُ عهده بالدنيا طاعةً، أو ذكرًا، أو توحيدًا يفيضُ من قلبٍ مؤمن. وهو ثمرةُ حياةٍ أُسِّست على الإخلاص، وسارت على درب الاستقامة؛ فمَن عاشَ على شيءٍ مَاتَ عَليه.
وقد جَاءتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ لِتُؤَكِّدَ هَذا المَعْنَى العَمِيقَ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ». قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ» (رواه أحمد). وليس كلُّ من خفيَ ذكرُه بين الناس خفيًّا عند الله؛ فقد يكون العبدُ بسيطًا في أعين الخلق، عظيمًا في ميزان السماء، يُسَاقُ إلى رِضْوانِ اللهِ بِأَعْمَالٍ جَلِيلَةٍ كَانَ يَظُنُّهَا النَّاسُ يَسِيرَةً.
ثانياً: الخَبِيئَةُ الصَّالِحَةُ.. مِيزَانُ الصِّدْقِ وَسَبَبُ النَّجَاةِ
مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حُسْنِ الخَاتِمَةِ تِلْكَ الأَعْمَالُ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ؛ إنَّهَا “الخَبِيئَةُ الصَّالِحَةُ” أو أعمالُ الخلوات التي تُؤدَّى بعيدًا عن أعين الناس لِتَكُونَ سِرّاً خَالِصاً بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ. قيامُ ليلٍ في سكون، دمعةُ خشيةٍ في ظلمة، صدقةٌ خفية، دعاءٌ بظهْرِ الغَيْبِ، أو إحسانٌ طَوَاهُ الكِتْمَانُ.
وقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذِهِ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللهِ فَقَالَ:
«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ» (صحيح الجامع).
هَذِهِ الخَبِيئَةُ هِيَ مِيزَانُ الصِّدْقِ الأَسْمَى؛ لأنَّ الرِّيَاءَ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا. فَالصَّادِقُونَ هُمْ أثْرِيَاءُ الخَبَايَا، وَهَذِهِ الأَعْمَالُ هِيَ زادُ الطَّرِيقِ، وَالسِّرُّ العَمِيقُ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ النِّهَايَةِ، فَيُثَبِّتُ اللهُ عَبْدَهُ عِنْدَ السَّكَرَاتِ تِكْرِيماً لِسَرِيرَتِهِ النَّقِيَّةِ.
ثالثاً: صِلَةُ الرَّحِمِ وَأَثَرُهَا فِي دَفْعِ مِيتَةِ السُّوءِ
جعل الإسلامُ صلةَ الرحم وبشاشةَ الوجه وحُسنَ الخُلُق من أعظم أسباب البركة في العمر والرزق، ومن الحُصُونِ المَنِيعَةِ الَّتِي تَقِي العَبْدَ مَصَارِعَ السُّوءِ. فالإنسانُ الذي يصلُ رحمه، ويحمل قلبًا سليمًا تجاه الناس، يعيش في صفاءٍ داخلي ينعكسُ نورًا عند لقاء الله.
عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال:
«الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم).
وقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا الأَثَرَ المُمْتَدَّ لِلإحْسَانِ فَقَالَ: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ» (رواه الطبراني).
فَكُلُّ خُطْوَةٍ مَشَاهَا المَرْءُ لِصِلَةِ قَرِيبٍ، وَكُلُّ بَسْمَةٍ نَقِيَّةٍ رَسَمَهَا عَلَى وُجُوهِ أَهْلِهِ، تَعُودُ إِلَيْهِ فِي لَحَظَاتِهِ الأَخِيرَةِ تَثْبِيتاً وَرَحْمَةً، حَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ الدَّعَوَاتُ الصَّادِقَةُ الَّتِي نَالَهَا مِن أَقَارِبِهِ حِصْناً لَهُ مِنَ الكُرُبَاتِ وَرَفِيقاً لَهُ فِي قَبْرِهِ.
رابعاً: شَوْقُ الجَنَازَةِ الصَّالِحَةِ وَفَضْلُ مَنْ يَمْشُونَ مَعَهَا
وَمِنْ تَمَامِ كَرَامَةِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ عِنْدَ رَحِيلِهِ، أَنْ جَعَلَ جَنَازَتَهُ تَشْتَاقُ لِقَائَهُ وَتَسْتَعْجِلُ حَامِلِيهَا لِتَصِلَ إِلَى نَعِيمِهَا، كَمَا جَعَلَ لِمَنْ تَبِعَهَا وَمَشَى مَعَهَا أُجُوراً كَأَمْثَالِ الجِبَالِ.
إسراع الجنازة الصالحة بلقاء ربها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (متفق عليه).
حديث آخر
«إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي…» (رواه البخاري).
خامساً: بَشَائِرُ وَعَلامَاتُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ
وقد ذكرتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ علاماتٍ جَلِيَّةً يُرجى مَعَهَا حُسنُ الختام، وتكُونُ بِمَثَابَةِ تَعْزِيَةٍ وَبُشْرَى لأَهْلِ الفَقِيدِ، وَمِنْهَا:
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
قَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
الموت على عمل صالح
قَالَ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
قَالَ ﷺ: «مَوْتُ الْمُؤْمِنِ بِعَرَقِ الْجَبِينِ»
خَاتِمَةٌ: طُوبَى لِأَصْحَابِ السَّرَائِرِ النَّقِيَّةِ
إنَّ حُسْنُ الخَاتِمَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ نِهَايَةٍ لِقِصَّةِ الدُّنْيَا، بَلْ هُوَ بَوَّابَةُ العُبُورِ نَحْوَ حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ نَاضِرَةٍ، تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ لِمَنْ صَدَقُوا، وَتُرْفَعُ فِيهَا دَرَجَاتُ مَنْ أَخْلَصُوا وَوَصَلُوا أَرْحَامَهُمْ بِحُبٍّ وَسَلَامٍ.
فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ خَبِيئَةً صَالِحَةً، وَعَاشَ بَشُوشَ الوَجْهِ نَقِيَّ السَّرِيرَةِ، فَقَدْ رَحَلُوا عَنِ الدُّنْيَا وَلَكِنَّ رِيْحَانَ ذِكْرَاهُمْ الطَّيِّبَةِ يَبْقَى فِينَا عَابِقاً لا يَزُولُ. نسأل الله العظيم أن يغفر لـ “فاطمة العيدروس “، وأن يتغمدها برحمته الواسعة، ويجمعنا بها في جنات النعيم.امين. يارب العالمين
ك.ش.أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس


