د. محمد بن عوض المشيخي **
تتفاخر الشعوب باختيار زعامات تاريخية ترفع من شأن الأوطان وتسجل إنجازات للمواطنين الذين منحوا أصواتهم لتلك القادة العظام الذين وصلوا إلى سدة الحكم، والأمثلة على ذلك كثيرة في الشرق والغرب، ولا تتسع هذه الأوراق البسيطة لذكرهم؛ فهؤلاء القادة يُعتبرون من الرموز التي تفتخر بهم الأمم التي أوصلتهم إلى سدة الحكم، خاصة الذين اكتسبوا سمعة دولية في صنع السلام واحترام حقوق الإنسان ومد جسور الصداقة مع الآخرين من الدول في مختلف أقطار العالم.
لكن في حالة الرئيس الأمريكي الحالي، فهو استثناء بكل المقاييس؛ فقد سوَّد وجه أمريكا بحماقاته المتكررة، وقد تكون نهاية هذه الإمبراطورية على يد هذا الرئيس المسعور. فقد كتبت مقالًا خلال الحملة الانتخابية الماضية للوصول إلى البيت الأبيض بعنوان: “هل يحكم ترامب أمريكا من خلف القضبان؟!”؛ وذلك انطلاقًا من أن الدستور الأمريكي لا يمانع أن يترشح المُدان بقضايا جنائية؛ وفي حالة فوز المرشح في الانتخابات يمكنه حكم أمريكا من السجن، وذلك حسب الإفادات والتفسيرات القانونية المتعلقة بالدستور الأمريكي. ويُعد ترامب أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يُتهم مرتين بالخيانة العظمى من مجلس النواب الذي يُمثِّل الشعب الأمريكي، في حين أن الولايات المتحدة تدعي أنها زعيمة العالم الحر، والحارس الأمين على ديمقراطيات العالم في الشرق والغرب!
ترامب، هذه الشخصية التي وصلت إلى قمة السلطة، دائمًا ما تسير عكس التيار والمنطق والقانون، ولكنه محظوظ؛ لكونه في بلد المتناقضات، أمريكا، التي تسود فيها ثقافة (الكاوبوي) البربرية، والتي تمثل المهاجرين الذين قدموا من أوروبا وأقاموا دولتهم على أنقاض حضارة السكان الأصليين، والمعروفين بالهنود الحمر، والذين تعرضوا للإبادة من هؤلاء المستعمرين.
وكذلك هناك تهمتان موجهتان لترامب تتعلقان بالإدلاء ببيانات كاذبة، هذا فضلًا عن التهرب الضريبي.
وعلى الرغم من كل ذلك، صُدم العالم بوصوله مرة ثانية إلى الرئاسة الأمريكية، وقد أعلن الحرب على الجميع؛ فكانت البداية بالتعبير عن رغبته في ضم كندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم جزيرة جرينلاند التي تخضع للسيادة الدنماركية، وقبل ذلك جمهورية المكسيك، ثم فرض ضرائب جمركية على الواردات وصلت بعضها إلى أكثر من مائة في المائة، ولكن المحكمة العليا الأمريكية أبطلت تلك الرسوم الجمركية غير المنطقية، والتي أضرت بالمواطن الأمريكي.
لقد كان للرئيس الأمريكي سوابق وتصرفات تُنافي المنطق والعقل السليم؛ حيث يطالب الحزب الديمقراطي بعرضه على الطبيب للتأكد من حالته العقلية؛ فهو رجل المتناقضات والتصريحات التي تفتقد إلى المصداقية، وقد هبطت شعبيته مؤخرًا إلى أدنى مستوى، مسجلةً 34%؛ وذلك بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، والحروب التي أشعلها في كل مكان دون مبرر أو تفويض قانوني من الشعب.
ومن تُرَّهاته الجديدة يوم 27 مايو، عندما قال: “سوف تتصرف عُمان مثل أي دولة أخرى وإلا فسنضطر إلى نسفها”، وبمجرد أن تلفظ هذا المخلوق الذي نزل بمستوى الأمة الأمريكية بالهذيان والأكاذيب التي ملأت الدنيا، استنكر العالم، من أقصاه إلى أقصاه، تهديداته ضد عُمان، هذا البلد الذي يُشار له بالبنان في الحكمة واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأن ما تقوم به “أمريكا ترامب” ليس سوى بلطجة رخيصة يقف خلفها الصهاينة؛ فالإعلام الأمريكي يُعبِّر عن استغرابه من تلك التهديدات لدولة حليفة لأمريكا عبر القرون؛ فقد سخر العديد من المعلقين السياسيين في القنوات الأمريكية جميعًا من تهديد الرئيس الذي يُعبِّر عن إفلاسه وخسارته للحرب في الخليج العربي، ومن أهم ردود الأفعال على هذيان ترامب ضد عُمان ما قاله الإعلامي اليمني سمير النمري في حسابه على منصة “إكس”، فكتب: “هل هذا رئيس دولة أم رئيس عصابة؟!”، بينما علق رئيس تحرير جريدة الشرق القطرية الأستاذ جابر الحرمي قائلًا: “تاريخ عُمان وحضارتها أكثر من أن يهددها «طارئ» على التاريخ”، والمقصود هنا الرئيس الأمريكي.
يجب التأكيد هنا على أن تهديد ترامب لعُمان لا يزيدها إلا عزةً وثباتًا على الحق، فلا يمكن أن ينحني الشعب العُماني وقيادته الحكيمة أمام السفهاء الذين فقدوا صوابهم؛ فعُمان ليست من جمهوريات الموز لكي تخضع لتلك التهديدات؛ فقد واجه العُمانيون عبر التاريخ الغزاة والطامعين الذين حاولوا السيطرة على هذا الوطن وترابه المقدس، فكانت الغبيراء مقبرةً لكل المعتدين عبر الأزمان، وذلك حتى قبل ظهور أمريكا إلى الوجود كدولة تطلب الاعتراف من الإمبراطورية العُمانية بها قبل عدة قرون. ومن هنا يجب التذكير باستبسال الذين تعرضوا لإهانة الرئيس المغرور من قبل؛ إذ لُقِّن دروسًا لا تُنسى من كندا وإسبانيا وإيران؛ فعند مواجهة مطالب ترامب بقوة وصلابة يتراجع خطوات إلى الخلف؛ فهو ظاهرة صوتية منفصلة عن الواقع.
وفي الختام.. إن عُمان لا تحتاج إلى أي ترتيبات مع الولايات المتحدة في عهد ترامب؛ بما في ذلك التسهيلات العسكرية والاتفاقات الأمنية التي عُقدت في ثمانينيات القرن العشرين، وقبل ذلك كله التوقف عن أي جهود لإطلاق سراح محتجزين أمريكيين في إيران أو اليمن، والأهم من ذلك عدم الاكتفاء بما قاله وزير الخزانة الأمريكية حول تفهمه لموقف السلطنة الثابت بعدم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز، ورغبته في أن تستمر العلاقات الأمريكية العُمانية لقرون قادمة؛ فقد قال الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق: “من يتعامل مع أمريكا مثل من يتعامل مع الفحم، لا يجد منه إلا سواد الوجه واليدين”!
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري


