رأي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
تُعد شركة الأسماك العمانية (OFCI)، المدرجة في بورصة مسقط منذ أكثر من ربع قرن، واحدة من الشركات الوطنية التي ترمز إلى محاولة عُمان الاستفادة من ثروتها البحرية الغنية. تأسست في أواخر الثمانينيات، وتمتلك مصانع حديثة على طول الساحل، وتصدر منتجاتها إلى أكثر من 55 دولة. لكنها اليوم تواجه أزمة وجودية: خسائر متراكمة تجاوزت 22 مليون ريال عماني بنهاية 2025، مع تآكل كامل لرأس المال، واستمرار الخسائر السنوية رغم بعض التحسن الطفيف.
الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت على مدى سنوات. شهدت الشركة تراجعاً حاداً في الإيرادات، حيث انخفضت من حوالي 12.8 مليون ريال في 2022 إلى أقل من 5 ملايين ريال في 2024-2025. وقد عزت الشركة هذا التراجع إلى نقص الكميات في مواقع الإنزال، والمنافسة الشديدة، والمخزون المتراكم (بما في ذلك المنتجات المنتهية الصلاحية التي بيعت بأسعار متدنية).
وبجانب ذلك، واجهت الشركة مشاكل تشغيلية وخارجية عديدة، منها ارتفاع تكاليف الشحن، وتقلبات الطقس، والصيد غير القانوني، بالإضافة إلى قيود على رأس المال العامل أدت إلى صعوبة الوفاء بالتزامات الديون. كما عانت من عدم استقرار إداري، إذ شهدت تغييرات متكررة في الإدارة العليا (استقالات وإقالات للرؤساء التنفيذيين ومديري العمليات)، وفشلاً في تنفيذ خطط التحول التي وافق عليها المساهمون. ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة، استقال مجلس الإدارة بالكامل مؤخراً، وصدر رأي مدقق حسابات سلبي يهدد استمرارية الشركة دون دعم رأسمالي فوري.
ويتطلب العلاج الناجع تدخلاً جذرياً وليس ترقيعياً، يبدأ بإعادة هيكلة شاملة. ويُعد تغيير الشكل القانوني إلى شركة مساهمة مغلقة (كما تتجه الشركة حالياً) خطوة إيجابية، إذ يتيح مرونة أكبر في جذب مستثمرين استراتيجيين وشركاء محتملين.
كما يجب تحسين الكفاءة التشغيلية من خلال ترشيد المصروفات (الذي ساهم بالفعل في تقليص الخسائر بنسبة 17% في 2025)، وبيع المخزون غير الفعال، وتحديث سلاسل التوريد، والتركيز على منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل التونة المعلبة والمنتجات المجمدة الفاخرة.
وفي الوقت نفسه، يتعين البحث العاجل عن شراكات واستثمارات جديدة من خلال جذب مستثمرين من القطاع الخاص أو شركات إقليمية ودولية متخصصة في الاستدامة والتكنولوجيا (تربية الأحياء المائية والتتبع الرقمي). إلى جانب تعزيز مكافحة الصيد غير القانوني، وتطوير البنية التحتية للصيد، وتشجيع الصيادين المحليين ليكونوا مساهمين حقيقيين. ويجب أن تندمج الشركة ضمن أهداف رؤية عمان 2040 للتنويع الاقتصادي، بدلاً من أن تبقى عبئاً على الاقتصاد الوطني.
أما جهاز الاستثمار العماني، كصندوق سيادي يدير أصول الدولة، فيُنتظر منه أن يلعب دوراً محورياً في إنقاذ الشركة، من خلال كياناته المتخصصة مثل تنمية أسماك عمان (FDO) والشركة العمانية للاستثمار الغذائي. سواء عبر ضخ رأس مال، أو إعادة هيكلة، أو دمج جزئي أو كامل مع كيانات أخرى لتوحيد الجهود وزيادة الكفاءة ودعم الأمن الغذائي.
ومع ذلك، يجب أن يكون أي تدخل مدروساً بعناية لتجنب “الإنقاذ الأبدي” الذي يشجع على استمرار عدم الكفاءة، مع الحرص في الوقت نفسه على حماية مصالح المساهمين الصغار.
حفظ الله عُمان أرضاً وشعباً وسلطاناً من كل مكروه، والأمة العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء…


