فرمتة العقل البشري

نشرت :

في عصر تتزاحم فيه المعلومات وتتداخل الأفكار، يصاب الإنسان أحيانا بحالة من “الشتات” والارتباك الذهني، أو ما يمكن أن نطلق عليه بلغة العصر “لخبطة”. هنا يبرز تساؤل جوهري أطرحه دائماً للبحث والتأمل: ماذا لو كان بإمكاننا إعادة ضبط عقولنا كما نفعل مع حواسيبنا؟ ماذا لو استطعنا عمل “فرمتة” للعقل البشري؟
“فرمتة العقل” ليست مصطلحاً تقنياً عابراً، بل هي عملية إدراكية عميقة تعني مسح المعلومات المشوشة، وإعادة تشكيل العقل وتعبئته من جديد بطريقة منهجية. الهدف الأسمى من هذه العملية هو الوصول بالإنسان إلى “الموضوعية”، ومن ثم الارتقاء به نحو نقطة “كمال العقل”. ولكن، كيف تبدأ هذه الرحلة؟
المحطة الأولى: “ملكة التركيز”.. سر العباقرة
أول ما ينبغي أن يتحلى به العقل في رحلة إعادة التشكيل هو “التركيز”. إذا نظرنا بتمعن إلى أعظم المخترعين والمبتكرين في العالم، سنجد أن القاسم المشترك بينهم هو امتلاكهم لـ “ملكة التركيز” العالية.
عندما تسيطر فكرة ما على عقل يتمتع بهذه الملكة، فإنه لا يسمح لها بالهروب. يصل التركيز ببعضهم إلى درجة الانفصال التام عن المشتتات الخارجية؛ فلا يرى ولا يسمح للضجيج المحيط به أن يقطع حبل أفكاره. إنه “يفصل” تماماً عن العالم الخارجي ليغوص في أعماق فكرته. هذه الحالة ليست حكراً على العباقرة، بل هي منحة ربانية يفتح الله بها على من يشاء، ويمكن لنا تنميتها بالمران والتدريب الجاد.
تجميع شتات العقل: القرآن كمنهج تطبيقي
كيف نصل إلى هذه المرحلة المتقدمة؟ يقدم لنا القرآن الكريم منهجاً عملياً لتنمية ملكة التركيز وتجميع العقل المشتت. خذ على سبيل المثال “قصة يوسف” عليه السلام. إن إعادة قراءة القصة وتتبع أحداثها مرة بعد أخرى حتى تتضح الصورة الكاملة وتُقرأ بوعي شامل، يُكسب الإنسان “ملكة التركيز”.
هذا التجميع لشتات العقل ينعكس إيجاباً على حياة الإنسان اليومية، بل وحتى في صلاته وعباداته. يصبح العقل قادراً على تناول أي موضوع والعيش فيه بشكل مكتمل وعميق، بعيداً عن السطحية والتشتت الذي نعاني منه اليوم.

المادة الخام للتفكير: لماذا المعرفة القرآنية؟
عملية التفكير تحتاج إلى “مادة” لتعمل عليها، وهذه المادة هي “المعلومة”. وكما أن هناك معلومات تضر بالعقل وتلغمه، هناك معلومات تنفعه وترتقي به وتضيء بصيرته.
استخدام “المعلومة القرآنية” كمادة للتفكير يترك أثراً إيجابياً عظيماً على العقل. القرآن الكريم لا يلقن المعلومات فحسب، بل يربي العقل على التدرج في التلقي والفهم. ولنا في التدرج في تحريم “الخمر” على صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة. لم تنزل آية التحريم القطعي دفعة واحدة، بل تدرجت لتمنح العقل البشري المساحة الكافية للتأمل والتفكير واستيعاب الحكمة الربانية.
خماسية التفكير العميق
هذا التدرج القرآني يفتح الباب أمام العقل ليمر بمستويات التفكير الخمسة، والتي تشكل في نظري درجات السلم نحو كمال العقل:
النظر: وهو المستوى الأول حيث التقاط المعلومة والملاحظة المبدئية.
التأمل: إمعان الفكر في ما تم النظر إليه وربط أجزائه.
الاعتبار: استخلاص الدروس والعبر مما تم تأمله.
الاستبصار: إدراك الحقائق بعمق، ورؤية ما خلف الظواهر وبواطن الأمور.
التدبر: وهو أعلى المراتب، حيث النظر في مآلات الأمور وعواقبها، والتفاعل الروحي والفكري الكامل مع المعاني.

في الختام فرمتة العقل ليست محواً للذاكرة بل هي إعادة ترتيب لأولويات التفكير وتنقية لمدخلات العقل. تبدأ بالتركيز العميق، وتتغذى بالمعلومات النقية كالقرآن الكريم، وتتدرج عبر مستويات النظر والتأمل وصولاً إلى التدبر. حينها فقط، يعاد تشكيل العقل ليصل إلى الموضوعية المنشودة، ويقف بثبات على عتبات كمال العقل المشرق

الدكتور سالم سهيل الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img