في ذاكرة الزمن الجميل، تبرز صورة الكتاتيب بوصفها إحدى أهم المحاضن التربوية التي أسهمت في تشكيل وعي الأجيال وغرس القيم في نفوس الصغار. ومن بين المشاهد التي لا تزال حاضرة في وجدان من عايش تلك المرحلة ما يُعرف بـ”شِلّة العُلْمة”، تلك الرفقة التي تشكّلت في رحاب الكتّاب، فكانت أكثر من مجرد تجمّعٍ طلابي، بل نواةً لعلاقات إنسانية عميقة قائمة على الألفة والتعاون والمحبة.
كانت “شِلّة العُلْمة” تتكوّن من مجموعة من الصغار، يجمعهم طلب العلم، وتوحّدهم براءة البدايات. يجلسون في حلقاتٍ متقاربة، تتجاور فيها الأكتاف قبل الكلمات، ويتردّد فيها صدى التلاوة في انسجامٍ يفيض بالسكينة. لم تكن العلاقة بينهم علاقة زمالة عابرة، بل كانت أخوّة صادقة تتجلّى في أبسط المواقف وأصدقها.
في تلك البيئة، نشأ مفهوم التعاون بشكلٍ فطري؛ فإذا تعثّر أحدهم في الحفظ وجد من يُسانده ويُعينه، وإذا غاب آخر افتقدته الشلّة وسألت عنه بصدقٍ وعفوية. كان القوي يحتضن الضعيف، والمتقدّم يأخذ بيد المتأخّر، دون تمييز أو استعلاء، بل في إطارٍ من التكافل الذي يُعبّر عن نقاء تلك المرحلة.
وقد اتسمت مسيرتهم التعليمية آنذاك بقدرٍ كبير من المرونة؛ إذ لم تكن الدراسة بمعزلٍ عن تفاصيل الحياة اليومية والواجبات الأسرية، فكان بعض الصغار يخرجون أثناء النهار لقضاء حوائج أهليهم وشراء مستلزمات الأسرة من طعامٍ وشراب، ثم يعودون لمواصلة تعلّمهم واستكمال ألواحهم دون حرجٍ أو تعقيد.
ولم تقتصر “شِلّة العُلْمة” على أوقات الدرس، بل امتدت إلى خارج أسوار الكتّاب، حيث يجتمعون في طرقاتهم البسيطة، يتقاسمون اللعب والضحك كما تقاسموا العلم من قبل. وكانت لتلك الشلّة ألعابهم الشعبية الجميلة التي تُضفي على أيامهم بهجةً وروحًا من التنافس العفوي؛ فتراهم يتنادون للعب “القود”، أو يتخفّون في لعبة “المنوّه” (الغميضة)، أو يلتفّون بحماس حول لعبة “البوكيرة”، وهي عبارة عن حفرة أرضية دائرية تُوضع فيها الأحجار، ثم يلتقطونها بمهارةٍ وخفةٍ دون أن تقع. وكان لكل جنسٍ عالمه الخاص؛ فبين ألعابٍ خاصة بالبنات تبتكر من البساطة فرحًا، وأخرى للأولاد تُعلّمهم الصبر والجلَد، كانت أواصر الصداقة تشتدّ وتكبر.
كانت العلاقة بينهم تنمو في بيئةٍ خالية من التعقيد، تحكمها العفوية، وتغذّيها القيم التي تلقّوها من معلّمهم، الذي كان يغرس فيهم معنى الجماعة، ويُنمي لديهم روح الاحترام والتراحم.
لقد أسهمت هذه الرفقة في بناء شخصيات متوازنة تُدرك قيمة الآخر، وتؤمن بأن النجاح لا يكتمل إلا بالجماعة. فكانت “شِلّة العُلْمة” مدرسةً موازية تُعلّم ما لا يُكتب في الألواح، وتُرسّخ ما لا يُقال في الدروس.
وفي ظل التحولات المعاصرة، تبقى هذه الصورة مصدر إلهام، تُذكّرنا بأن بناء الإنسان يبدأ من بيئةٍ إنسانية دافئة تُعزّز العلاقات الصادقة، وتُرسّخ قيم التعاون والانتماء. فـ”شِلّة العُلْمة” لم تكن مجرد ذكرى، بل كانت تجربة تربوية متكاملة صنعت جيلًا يحمل في قلبه صفاء البدايات، وفي سلوكه أثر تلك الرفقة النبيلة.
سلامٌ على تلك الشِّلّة، وهنيئًا لتلك الأيام أثرُها الباقي.
ك.ش.أ عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس


