في كثيرٍ من المجتمعات، تشهد مجالس العزاء أحيانًا قدرًا من العشوائية في تنظيم استقبال المعزّين، حتى بات بعض الأشخاص يتصدرون مشهد الاستقبال رغم بُعد صلتهم بالمتوفى أو بأسرته. وفي الآونة الأخيرة، لوحظ في محافظة ظفار، ومدينة صلالة على وجه الخصوص، ظاهرة تتمثل في كثرة الواقفين في صفوف استقبال المعزّين من غير الأقارب من الدرجة الأولى ومن في حكمهم، ومن غير المقرّبين للمتوفى أو لأسرته، حتى أصبح بعضهم يشارك في استقبال المعزّين رغم أن صلته بالفقيد لا تتجاوز المعرفة العامة أو قرابة بعيدة.
ورغم ما يحمله ذلك من نوايا طيبة ورغبة صادقة في المشاركة الاجتماعية، فإن هذه المبالغة أوجدت حالةً من الازدحام غير المبرر، وأطالت صفوف التعزية والسلام، وأربكت حركة المعزّين، فضلًا عما تسببه من أعباء إضافية على أهل المتوفى، وما يصاحبها من مجاملات مرهقة وضعف في التنظيم، في وقت يعيشون فيه أصلًا ظروفًا صعبة ومؤلمة. وبذلك يبتعد العزاء عن هدفه الحقيقي المتمثل في المواساة والتخفيف عن أهل المصاب، الأمر الذي يستدعي ترسيخ ثقافة التنظيم والاقتصار في استقبال المعزّين على من هم الأقرب صلةً والأولى بهذه المهمة الإنسانية والاجتماعية.
فالمتعارف عليه اجتماعيًا أن يتولى استقبال المعزّين الأقارب من الدرجة الأولى ومن في حكمهم، كالأب والابن والأخ والعم والخال وأزواج البنات، باعتبارهم الأقرب إلى المتوفى والأشد تأثرًا بالمصاب. وقد يمتد الأمر عند الحاجة ليشمل بعض الأقارب من الدرجة الثانية، أو عددًا محدودًا من الوجهاء والمقرّبين من الأهل والمعارف والأصدقاء الذين تربطهم بالمتوفى أو بأسرته صلات وثيقة وعلاقات مباشرة، بما يحقق الغاية من العزاء والمواساة، دون أن يترتب على ذلك ازدحام أو مشقة، وبعيدًا عن مظاهر المبالغة والتكلّف التي لا تضيف إلى المقصد النبيل للعزاء شيئًا.
وهؤلاء هم الأَوْلى بتحمّل مسؤولية استقبال المعزّين وتلقّي المواساة نيابةً عن الأسرة طوال أيام العزاء، لما لذلك من دلالة اجتماعية وإنسانية راسخة تُجسّد معاني القرب والتكاتف والتلاحم، وتُعبّر عن حقيقة المواساة في أوقات الفقد والأحزان.
كما أن اقتصار استقبال المعزّين على الأقارب المباشرين يخفف كثيرًا من الأعباء النفسية والجسدية الواقعة على أهل المتوفى، ويحدّ من الارتباك والتداخل في الأدوار، لا سيما في أوقات الزحام وكثرة الوافدين. كذلك يراعي أوضاع كبار السن والمرضى من المعزّين، ويجنبهم مشقة الانتظار لفترات طويلة، فضلًا عن الحد من بعض التصرفات غير المقصودة التي قد تُفهم على نحو سلبي أو تُشعر أهل المتوفى بعدم الارتياح.
فالعزاء ليس ساحةً للمظاهر الاجتماعية أو لإثبات الحضور، ولا مناسبة تستدعي الوقوف لساعات طويلة في صفوف الاستقبال، بل هو مناسبة إنسانية تستوجب الهدوء وحسن التنظيم ومراعاة ظروف أهل المصاب ومشاعرهم. كما أن بعض المعزّين قد يشعرون بالحرج من كثرة الواقفين في صفوف الاستقبال، إذ يضطرون إلى السلام عليهم جميعًا رغم عدم معرفتهم بهم أو عدم وجود صلة مباشرة تربطهم بالفقيد، الأمر الذي يُضعف من بساطة العزاء وهيبته، ويُبعده عن روحه الإنسانية القائمة على المواساة الصادقة.
إن المجتمع في محافظة ظفار، المعروف بعاداته الأصيلة وتقاليده الراسخة القائمة على الاحترام والتقدير، قادر على ترسيخ ثقافة أكثر وعيًا وتنظيمًا في هذا الجانب، بعيدًا عن المبالغات الاجتماعية التي قد تتحول مع مرور الوقت إلى عبء على أهل المتوفى بدلًا من أن تكون عونًا وسندًا لهم.
ومن هنا، فإن الوعي المجتمعي يقتضي أن يدرك الجميع أن الاحترام الحقيقي لأهل المتوفى لا يُقاس بكثرة الواقفين في صفوف الاستقبال، بل بمدى الحرص على التخفيف عنهم وحسن تنظيم العزاء. فكلما اقتصر استقبال المعزّين على الأقارب والمقرّبين، كان ذلك أيسر على أهل الفقيد، وأقصر مدةً للعزاء، وأتاح للمعزّين فرصة أداء واجب العزاء في أكثر من مناسبة عند تعددها، فضلًا عن كونه أقرب إلى تحقيق الهدف الحقيقي من العزاء. وبقدر ما يسود الوعي والتنظيم، تصبح مجالس العزاء أكثر هدوءًا وإنسانية، وأشد مراعاةً لمشاعر أهل المصاب وظروفهم، وأقرب إلى أداء رسالتها النبيلة في المواساة والتخفيف، بما يعكس القيم الأصيلة للمجتمع ويعزز روح التكافل والتراحم بين أفراده.
ومن المقترحات التي قد تسهم في الحد من هذه الظاهرة:
- قصر استقبال المعزّين على الأقارب من الدرجة الأولى ومن في حكمهم، مع عدد محدود من المقرّبين والوجهاء المرتبطين بالمتوفى أو بأسرته.
- تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التنظيم والاختصار في مجالس العزاء عبر المجالس العامة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
- تشجيع الأقارب والمعارف على الاكتفاء بأداء واجب العزاء والدعاء دون الوقوف في صفوف الاستقبال.
- الاتفاق المسبق داخل الأسرة على تنظيم صفوف المستقبلين وتحديد من يتولى الاستقبال.
- الحد من المبالغات الاجتماعية التي تزيد من الضغط والإرهاق على أهل المتوفى.
- ترسيخ ثقافة أن التخفيف عن أهل المصاب وتيسير أمورهم مقدَّم على المجاملات الاجتماعية.
وفي الختام، فإن مجالس العزاء شُرعت للمواساة وجبر الخواطر والتخفيف عن أهل المصاب، لا للمظاهر الاجتماعية أو كثرة المتصدرين للمشهد. وليس في تنظيم استقبال المعزّين أو الاقتصار فيه على من هم الأحق والأقرب انتقاص من مكانة أحد، بل هو سلوك حضاري يعكس الوعي والاحترام والانضباط الاجتماعي، ويُسهم في تحقيق المقصد النبيل للعزاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه».
فمتى تحلّى المجتمع بالرفق في تنظيم شؤونه الاجتماعية، كانت مجالس العزاء أكثر وقارًا وتنظيمًا، وأقرب إلى تحقيق رسالتها الإنسانية النبيلة في المواساة والتخفيف عن أهل المصاب.
د. سالم بن محمد عمر العجيلي
خبير الجودة والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
والقانون والتحكيم الدولي


