هندسة الإدراك.. الإعلام بين صناعة الوعي وتنظيم التأثير في العصر الرقمي

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ليست كل القوى مرئية؛ فبعضها لا يُسمع له صوت، ولا يُرى له أثر مباشر، لكنه يغيّر طريقة تفكير الناس ونظرتهم إلى الأحداث والأشخاص والأفكار. ومن بين هذه القوى يبرز الإعلام بوصفه أحد أكثر أدوات العصر تأثيرًا، إذ يمتلك قدرة استثنائية على تشكيل الإدراك الجمعي وصناعة الصورة الذهنية التي تُبنى عليها المواقف والقرارات.

ولأن الإنسان يتعامل مع العالم من خلال ما يعرفه عنه، أصبحت المعلومة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي مورد آخر. فالإعلام الذي كان يومًا ناقلًا للخبر، تحوّل اليوم إلى فاعل مؤثر في صناعة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وإلى شريك رئيس في بناء الوعي وحماية المجتمعات من فوضى المعلومات وتحديات العصر الرقمي. ومن هنا، لم يعد السؤال الأهم: ماذا نعرف؟ بل كيف نعرف؟ ومن يصوغ الرواية التي تتشكل من خلالها قناعاتنا وتصوراتنا عن العالم من حولنا؟

لقد تجاوز الإعلام دوره التقليدي بوصفه وسيلة لنقل الأحداث، ليصبح أداة فاعلة في تشكيل الوعي العام وتوجيه الاهتمامات وصناعة الأولويات. ومع الثورة الرقمية وتسارع تدفق المعلومات عبر المنصات الإلكترونية، بات تأثير الإعلام أكثر عمقًا واتساعًا من أي وقت مضى. فكل خبر أو صورة أو رسالة إعلامية يحمل في طياته قدرة على التأثير في الإدراك الجمعي، سواء نحو البناء والتنمية أو نحو التشويش والتضليل.

وفي سلطنة عُمان، أسهم الإعلام في دعم العديد من القضايا الوطنية والتنموية، فكان شريكًا في تعزيز الوعي المجتمعي خلال جائحة كورونا، كما لعب دورًا مهمًا في التعريف بمستهدفات رؤية عُمان 2040 وترسيخ حضورها في الوعي العام. ولم يقتصر دوره على الجانب الاجتماعي، بل امتد إلى المجال الاقتصادي من خلال دعم المبادرات الوطنية والترويج للمنتج المحلي وإبراز الفرص الاستثمارية والسياحية، بما يؤكد أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للمشهد التنموي، بل أحد أدواته المؤثرة.

ومع هذا التأثير المتنامي، برزت تحديات جديدة فرضها الإعلام الرقمي، وفي مقدمتها سرعة انتشار الشائعات والمعلومات المضللة. فقد أتاحت المنصات الرقمية لأي فرد أن يكون ناشرًا للمحتوى، وهو ما وسّع مساحة المشاركة والتفاعل، لكنه في الوقت ذاته جعل التحقق من المعلومات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمشكلة في عصرنا لم تعد نقص المعلومات، بل وفرتها المفرطة، وما يصاحبها من صعوبة التمييز بين الحقيقة والتضليل.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الرسمية بوصفها المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات. فمواجهة الشائعات لا تتحقق بالنفي وحده، وإنما من خلال بناء الثقة مع الجمهور وتوفير المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب. فحين تغيب المعلومة الموثوقة، تتقدم الشائعة لملء الفراغ، وحين تتأخر الرواية الرسمية، تتكاثر الروايات البديلة. لذلك أصبحت الشفافية وسرعة التواصل ووضوح الرسالة الإعلامية عناصر أساسية في إدارة الخطاب الإعلامي المعاصر.

كما أن نجاح المؤسسات في إدارة التواصل مع المجتمع لم يعد يُقاس بحجم ما تنشره من معلومات، بل بمدى قدرتها على بناء الثقة والمحافظة عليها. فالجمهور يميل إلى تصديق المصادر التي أثبتت مصداقيتها عبر الزمن، وهو ما يجعل الإعلام الرسمي والمهني خط الدفاع الأول في مواجهة حملات التضليل والتأثير السلبي في الرأي العام.

ومن هذا المنطلق، جاء صدور قانون الإعلام العُماني الجديد بالمرسوم السلطاني رقم (58/2024)، ليشكل خطوة مهمة في مسيرة تطوير القطاع الإعلامي ومواكبة التحولات التي فرضها العصر الرقمي. فقد جاء القانون برؤية حديثة تستوعب المتغيرات المتسارعة في البيئة الإعلامية، وتنظم مختلف الأنشطة الإعلامية ضمن إطار قانوني أكثر شمولًا ومرونة، يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، ويحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات، ويعزز المصلحة العامة.

وتبرز أهمية القانون في كونه استوعب التحولات التي أوجدها الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي، فلم يعد ينظر إلى الإعلام من زاوية الوسائل التقليدية فقط، بل تعامل مع المشهد الإعلامي بمفهومه الواسع والمتجدد. كما أسس لبيئة إعلامية أكثر تنظيمًا واحترافية من خلال تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات، وتعزيز معايير المصداقية والمهنية وجودة المحتوى.

ويمثل هذا التوجه التشريعي إدراكًا متقدمًا للدور الذي يؤديه الإعلام في بناء المجتمعات الحديثة؛ فالإعلام لم يعد قطاعًا منفصلًا عن مسارات التنمية، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الفكري والاجتماعي والاقتصادي. كما أن تنظيم العمل الإعلامي يسهم في تعزيز الثقة بالمحتوى الوطني ورفع كفاءته وقدرته على المنافسة والتأثير.

وفي ظل هذه التحولات، تزداد مسؤولية الإعلاميين وصناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية في تقديم خطاب إعلامي واعٍ يوازن بين حرية التعبير ومتطلبات المسؤولية، وبين سرعة النشر ودقة المعلومة، وبين مواكبة التطور التقني والحفاظ على القيم المهنية. فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الوصول أو عدد المشاهدات فحسب، بل بقدرة المحتوى على بناء المعرفة وتعزيز الوعي وخدمة المصلحة العامة.

إن الإعلام في جوهره ليس صناعة أخبار فحسب، بل صناعة وعي وإدارة للإدراك الجمعي. وكلما كان أكثر مهنية ومصداقية ومسؤولية، كان أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع متماسك واقتصاد مزدهر ووطن أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه، تبقى القيمة الحقيقية للإعلام في قدرته على كسب الثقة؛ لأن الثقة هي الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة، ومن المعرفة يبدأ الوعي، ومن الوعي تنطلق التنمية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img