عُمان.. الصوت الهادئ الذي لا ينطفئ في زحمة الدراما الدبلوماسية

نشرت :

رأي اليوم

صحية اليوم العُمانية

في قصر فرساي الفخم بباريس، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة تفاهم مع إيران، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لإنهاء حرب دامت أشهراً وإعادة فتح مضيق هرمز، مع جدول زمني لـ60 يوماً للتفاوض على الملف النووي وغيره. الاتفاق جاء بعد دراما غريبة: كل الأطراف ترفع شعار “السلام أولوية”، لكن معظمهم انحاز عملياً إلى الجانب الأمريكي-الإسرائيلي في التصعيد، باستثناء سلطنة عمان التي ظلت ملتزمة بخط الوسطية والنصح السلمي. واليوم، وبعد الاتفاق، يتسابق الجميع لادعاء “دور” في النجاح.
هذه الدراما ليست جديدة، بل تعكس ازدواجية مزعجة في السياسة الإقليمية دول كثيرة في الخليج والعالم أعلنت تمسكها بالسلام، لكنها في الواقع سارت مع الرياح الأمريكية، سواء بدعم سياسي أو صمت استراتيجي أو حتى تنسيق ضمني. أما عمان، فقد اختارت طريقاً مختلفاً الوساطة الصامتة، النصيحة المستمرة، والحفاظ على قنوات الحوار مع الجميع دون ضجيج إعلامي أو دعاية فارغة.
منذ عقود، بنت سلطنة عمان سمعة بجهود حقيقية استضافت مفاوضات، نقلت رسائل، وفتحت أبواباً مغلقة بين واشنطن وطهران. في هذه الأزمة الأخيرة، كان وزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي في قلب الجهود، محذراً من الكارثة ومؤكداً أن “الدبلوماسية هي الخيار الوحيد”. حتى عندما تعرضت مسقط لضغوط أمريكية شديدة، بما في ذلك تهديدات، لم تنحرف عن مبدئها. لم تكن عمان تبحث عن صورة بطولية أو تغريدات فيسبوكية، بل عن نتيجة ملموسة تحمي المنطقة. هذا النهج ليس تكتيكاً مؤقتاً، بل فلسفة دولة و السلام ليس شعاراً بل استثماراً استراتيجياً في الاستقرار الذي يخدم مصالح الجميع، خاصة مع موقع عمان الحساس على هرمز.
الآن، وبعد توقيع الاتفاق في باريس، يظهر المشهد الكوميدي التراجيدي تصريحات تهنئة متتالية، وادعاءات بـ”دور حاسم” من أطراف كانت حتى الأمس القريب تؤيد التصعيد أو تتفرج عليه. هذا التحول السريع يكشف عن حسابات سياسية قصيرة المدى، حيث يريد الجميع حصة في “النصر الدبلوماسي” دون تحمل تكلفة الثبات على المبدأ حين كان الخيار صعباً.
عمان لا تحتاج إلى الدعاية. تاريخها يشهد لها من مفاوضات الثمانينيات إلى الاتفاق النووي 2015، وصولاً إلى الجولات المتكررة في 2025-2026. عملها في صمت، بدون “ضجيج إعلامي”، يعطيها مصداقية لا تُشترى. الأهم الان الدرس للخليج والمنطقة يجب أن يكون هذا الاتفاق نقطة تحول. المطلوب الآن لسلطنة عمان الاستمرار في دورها التوازني، تعزيز التنسيق الإقليمي حول أمن هرمز، والتركيز على إعادة الإعمار الاقتصادي دون الوقوع في فخ الضغوط.
اما لدول الخليج فليعلم الجميع ان النموذج العماني وانحيازه الدائم للسلام ليس انحيازاً لطرف على حساب آخر، بل بناء مصالح مشتركة وآن الأوان لإطار أمني خليجي-إيراني يقلل الاعتماد على الحماية الخارجية ويمنع تكرار دورات الحرب.
للجميع: تجنب “الانتهازية الدبلوماسية” الادعاء بالدور بعد النجاح يفقد المصداقية و السلام يحتاج ثباتاً، لا تحولات موسمية. عمان أثبتت مرة أخرى أن القوة الحقيقية تكمن في الحكمة الصامتة، لا في الخطابات الرنانة في زمن الدراما السياسية، يبقى صوتها الهادئ أكثر تأثيراً. المنطقة بحاجة إلى المزيد من هذا النهج إذا أردنا أن يكون هذا الاتفاق بداية سلام مستدام، لا مجرد استراحة محارب.

حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية من كل مكروه…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img