​”ثمنة الجندل” تُصغي لصوت المكان وتُصادق الذاكرة الظفارية

نشرت :

​استعادة أدبية للموروث الشفهي تحوّل الحكاية الشعبية من أثرٍ ماضٍ إلى جسرٍ حَيٍّ بين الأجيال

الفنان والأديب والشاعر السوري/ حسن ملحم

هُنَاكَ كُتُبٌ لَا نَقْرَؤُهَا لِنَبْحَثَ فِيهَا عَنْ حِكَايَةٍ تَبْدَأُ وَتَنْتَهِي، وَإِنَّمَا نَفْتَحُ صَفَحَاتِهَا فَنَشْعُرُ أَنَّنَا نَفْتَحُ نَافِذَةً قَدِيمَةً فِي جِدَارِ الذَّاكِرَةِ، تُطِلُّ بِنَا عَلَى زَمَنٍ لَمْ نَعِشْهُ كُلَّهُ، لَكِنَّ أَرْوَاحَنَا تَعْرِفُهُ، وَعَلَى وُجُوهٍ غَابَتْ عَنِ الْعَيْنِ وَبَقِيَتْ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى أَصْوَاتٍ كَانَتْ تَمْلَأُ الْبُيُوتَ دِفْئًا وَحِكَايَاتٍ، ثُمَّ مَضَتِ الْأَيَّامُ وَبَقِيَ صَدَاهَا مُعَلَّقًا فِي فَضَاءِ الذَّاكِرَةِ.
وَهَذَا الْكِتَابُ مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ الَّتِي لَا تَأْتِي إِلَيْنَا بِالْحِكَايَةِ وَحْدَهَا، بَلْ تَأْتِي إِلَيْنَا بِالزَّمَنِ الَّذِي أَنْجَبَ الْحِكَايَةَ.
فَحِينَ تَرْوِي الْأَدِيبَةُ وَالرِّوَائِيَّةُ ثَمَنَةُ الْجَنْدَلِ حِكَايَاتِ ظُفَارَ وَمَوْرُوثَهَا الشَّعْبِيَّ، لَا تَبْدُو كَأَنَّهَا تَجْمَعُ مَادَّةً مِنْ بَعِيدٍ، وَلَا كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى تُرَاثٍ قَدِيمٍ بِعَيْنِ الْبَاحِثِ الَّذِي يَقِفُ خَارِجَهُ، بَلْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَجْلِسُ بَيْنَ أَهْلِهِ، فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الزَّمَنِ الْجَمِيلِ، تَسْتَمِعُ إِلَى جَدَّةٍ تَفْتَحُ صُنْدُوقَ ذَاكِرَتِهَا، وَإِلَى عَمَّةٍ تَحْفَظُ حِكَايَةً تَنَاقَلَتْهَا النِّسَاءُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَإِلَى خَالَةٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تَجْعَلُ مِنَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ مَوْعِدًا لِلْحِكَايَةِ، وَمِنَ السَّمَرِ مَدْرَسَةً لِلْحِكْمَةِ، وَمِنَ الْكَلِمَةِ جِسْرًا يَصِلُ الْمَاضِيَ بِالْحَاضِرِ.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِي تَجْرِبَةِ ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ أَنَّهَا ابْنَةُ الْمَكَانِ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ ظُفَارَ فِي كِتَابِهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جُغْرَافِيَا، وَلَيْسَتْ جِبَالًا وَوِدْيَانًا وَسُهُولًا وَبَحْرًا وَمَوْسِمَ خَرِيفٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رُوحٌ كَامِلَةٌ تَسْكُنُ اللُّغَةَ وَالْحِكَايَةَ وَالْإِنْسَانَ. إِنَّهَا ظُفَارُ الَّتِي عَرَفَتْهَا الْبُيُوتُ الْقَدِيمَةُ، وَعَرَفَتْهَا النِّسَاءُ فِي مَجَالِسِهِنَّ، وَعَرَفَهَا الرِّجَالُ فِي أَسْفَارِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَعَرَفَتْهَا الْجَدَّاتُ حِينَ كُنَّ يَحْمِلْنَ إِلَى الصِّغَارِ حِكَايَاتٍ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهَا سَتُصْبِحُ ذَاتَ يَوْمٍ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الذَّاكِرَةِ.
إِنَّهَا ظُفَارُ الَّتِي لَمْ تَكُنِ الْحِكَايَةُ فِيهَا تَرَفًا عَابِرًا، بَلْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا.
كَانَتِ الْحِكَايَةُ تُقَالُ فِي اللَّيْلِ، فَتَجْمَعُ الْقُلُوبَ حَوْلَهَا.
وَكَانَتِ الْجَدَّةُ حِينَ تَبْدَأُ حَدِيثَهَا لَا تَرْوِي قِصَّةً فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَسْتَحْضِرُ عَالَمًا بِأَكْمَلِهِ؛ عَالَمَ الْخَوْفِ وَالدَّهْشَةِ وَالْفَرَحِ وَالْحِكْمَةِ، عَالَمَ الْجِنِّ وَالْعَجَائِبِ، وَعَالَمَ الْحُبِّ وَالْفِرَاقِ، وَعَالَمَ الْحِيلَةِ وَالذَّكَاءِ، وَعَالَمَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَعْرِفُ أَسْرَارَ الْحَيَاةِ، وَالرَّجُلِ الَّذِي يُوَاجِهُ قَسْوَةَ الطَّرِيقِ، وَالطِّفْلِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنَ الْحِكَايَةِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ أَنَّهُ يَتَعَلَّمُ.
وَكَانَتْ تِلْكَ الْحِكَايَاتُ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَحْدَاثِهَا؛ تَحْمِلُ صُورَةَ الْإِنْسَانِ كَمَا أَرَادَهُ ذَلِكَ الزَّمَنُ: بَسِيطًا فِي عَيْشِهِ، عَمِيقًا فِي إِحْسَاسِهِ، شَدِيدَ الصِّلَةِ بِأَرْضِهِ، مُؤْمِنًا بِقِيمَةِ الْكَلِمَةِ، وَبِحِكْمَةِ الْكَبِيرِ، وَبِهَيْبَةِ الْأُسْرَةِ، وَبِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَبِأَنَّ الْخَيْرَ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ طَرِيقَهُ.
وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْكِتَابِ.
فَثَمَنَةُ الْجَنْدَلِ لَا تَسْتَعِيدُ الْحِكَايَاتِ مِنْ أَجْلِ الْحَنِينِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَنِينُ حَاضِرًا فِي كُلِّ صَفْحَةٍ، وَإِنَّمَا تَسْتَعِيدُهَا لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَفْقِدُ حِكَايَاتِهَا تَفْقِدُ جُزْءًا مِنْ ذَاكِرَتِهَا، وَأَنَّ التُّرَاثَ حِينَ لَا يَجِدُ مَنْ يَحْمِلُهُ إِلَى الْأَجْيَالِ الْجَدِيدَةِ يَتَحَوَّلُ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَسْمَاءٍ بَعِيدَةٍ وَصُوَرٍ بَاهِتَةٍ.
أَمَّا الْحِكَايَةُ الَّتِي يُعَادُ كِتَابَتُهَا بِحُبٍّ، فَإِنَّهَا تَسْتَعِيدُ حَيَاتَهَا.
وَهَذَا مَا تَفْعَلُهُ الْكَاتِبَةُ هُنَا.
إِنَّهَا لَا تَضَعُ التُّرَاثَ فِي مُتْحَفٍ مُغْلَقٍ، وَلَا تَتَعَامَلُ مَعَهُ كَشَيْءٍ مِنَ الْمَاضِي انْتَهَى زَمَنُهُ، بَلْ تَنْفُخُ فِي رَمَادِهِ الْقَدِيمِ رُوحًا جَدِيدَةً، وَتُعِيدُهُ إِلَيْنَا نَابِضًا، دَافِئًا، قَادِرًا عَلَى أَنْ يُخَاطِبَ الْإِنْسَانَ الْمُعَاصِرَ كَمَا خَاطَبَ الْإِنْسَانَ الْأَوَّلَ.
وَحِينَ نَقْرَأُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ نَشْعُرُ أَحْيَانًا بِأَنَّ ثَمَنَةَ الْجَنْدَلِ لَا تَرْوِي لَنَا مَا سَمِعَتْهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَرْوِي لَنَا مَا عَاشَتْهُ الذَّاكِرَةُ.
نَسْمَعُ فِي كَلِمَاتِهَا وَقْعَ الْمَجَالِسِ الْقَدِيمَةِ، وَنَكَادُ نَرَى الْجَدَّاتِ وَهُنَّ يَجْلِسْنَ فِي هُدُوءِ اللَّيْلِ، وَتَتَحَلَّقُ حَوْلَهُنَّ الْوُجُوهُ الصَّغِيرَةُ، وَكُلَّمَا تَوَقَّفَتِ الرَّاوِيَةُ لَحْظَةً ارْتَفَعَتْ أَعْيُنُ الصِّغَارِ إِلَيْهَا، يَنْتَظِرُونَ بَقِيَّةَ الْحِكَايَةِ.
نَسْمَعُ ضَحْكَةً عَابِرَةً مِنْ طَرَفِ الْمَجْلِسِ.
وَنَشْعُرُ بِذَلِكَ الصَّمْتِ الْجَمِيلِ الَّذِي كَانَ يَسْبِقُ الْجُمْلَةَ الْمُهِمَّةَ.
وَنَكَادُ نَشُمُّ رَائِحَةَ الْقَهْوَةِ، وَنَسْمَعُ حَفِيفَ اللَّيْلِ، وَنَرَى الْمَكَانَ كَمَا كَانَ؛ قَبْلَ أَنْ تَتَسَارَعَ الْحَيَاةُ، وَقَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ الشَّاشَاتُ بَدِيلًا عَنِ الْمَجَالِسِ، وَقَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ الْحِكَايَاتُ الْقَدِيمَةُ مُهَدَّدَةً بِأَنْ تَضِيعَ فِي زِحَامِ الْحَاضِرِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ ثَمَنَةَ الْجَنْدَلِ حِينَ تَكْتُبُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، فَإِنَّهَا لَا تَكْتُبُ عَنْ آخَرِينَ.
إِنَّهَا تَكْتُبُ عَنْ أَهْلِهَا.
عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي انْتَمَتْ إِلَيْهِ.
عَنْ ذَاكِرَةٍ نَشَأَتْ بَيْنَ أَزِقَّتِهِ وَبُيُوتِهِ وَمَجَالِسِهِ.
عَنْ أَصْوَاتِ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَعْرِفْنَ أَنَّ لِلْكَلِمَةِ سِحْرًا، وَأَنَّ الْحِكَايَةَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ الْحِكْمَةَ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ إِصْبَعَ الْوَاعِظِ.
وَلِأَنَّهَا ابْنَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ عَلَاقَتَهَا بِالْمَوْرُوثِ لَيْسَتْ عَلَاقَةً عَابِرَةً أَوْ مُصْطَنَعَةً؛ إِنَّهَا عَلَاقَةُ امْتِدَادٍ.
امْتِدَادُ الْابْنَةِ إِلَى أُمِّهَا، وَالْحَفِيدَةِ إِلَى جَدَّتِهَا، وَالْكَاتِبَةِ إِلَى نِسَاءِ الْمَكَانِ اللَّوَاتِي سَبَقْنَهَا إِلَى صِنَاعَةِ الْحِكَايَةِ مِنْ غَيْرِ قَلَمٍ، وَإِلَى حِفْظِ الذَّاكِرَةِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ.
فَكَمْ مِنْ عَمَّةٍ كَانَتْ حَكَوَاتِيَّةً بِالْفِطْرَةِ، وَكَمْ مِنْ خَالَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُ فِي صَدْرِهَا عَشَرَاتِ الْقِصَصِ، وَكَمْ مِنْ جَدَّةٍ كَانَتْ تَخْتَزِنُ عَالَمًا كَامِلًا مِنَ الْحِكَايَاتِ، ثُمَّ رَحَلَتْ دُونَ أَنْ تُسَجِّلَ مَا تَعْرِفُهُ!
وَلَوْلَا أَمْثَالُ ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ، لَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ أَسِيرًا لِلذَّاكِرَةِ الْفَرْدِيَّةِ، يَرْحَلُ بِرَحِيلِ أَصْحَابِهِ.
وَهُنَا تُصْبِحُ الْكِتَابَةُ نَوْعًا مِنَ الْوَفَاءِ.
وَفَاءً لِلْأَصْوَاتِ الَّتِي لَمْ تَجِدْ مَنْ يَكْتُبُهَا، وَلِلْوُجُوهِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ أَنَّهَا سَتُصْبِحُ يَوْمًا جُزْءًا مِنْ تَارِيخِ الْمَكَانِ، وَلِلْحِكَايَاتِ الَّتِي ظَلَّتْ تَمْشِي مِنْ فَمٍ إِلَى فَمٍ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى زَمَنِهَا الْأَخِيرِ.
إِنَّ الْكَاتِبَةَ لَا تُنْقِذُ الْحِكَايَةَ مِنَ النِّسْيَانِ فَحَسْبُ، بَلْ تُنْقِذُ مَعَهَا شَيْئًا مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي عَاشَهَا.
فَوَرَاءَ كُلِّ حِكَايَةٍ امْرَأَةٌ كَانَتْ تَنْتَظِرُ، أَوْ أُمٌّ كَانَتْ تَخَافُ، أَوْ جَدَّةٌ كَانَتْ تَنْصَحُ، أَوْ طِفْلٌ كَانَ يَحْلُمُ، أَوْ رَجُلٌ كَانَ يُسَافِرُ، أَوْ بَيْتٌ كَانَ يَحْتَضِنُ أَهْلَهُ، أَوْ قَرْيَةٌ كَانَتْ تَعْرِفُ بَعْضَهَا بَعْضًا، أَوْ مَوْسِمٌ كَانَ يُغَيِّرُ وَجْهَ الْأَرْضِ وَيَمْنَحُ النَّاسَ مَوْعِدًا جَدِيدًا مَعَ الْفَرَحِ.
وَهَكَذَا تَتَحَوَّلُ الْحِكَايَةُ الشَّعْبِيَّةُ، بَيْنَ يَدَيْ ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ، مِنْ نَصٍّ شَفَهِيٍّ قَدِيمٍ إِلَى وَثِيقَةٍ وِجْدَانِيَّةٍ.
وَثِيقَةٌ تَحْفَظُ لَنَا كَيْفَ كَانَ النَّاسُ يُفَكِّرُونَ، وَكَيْفَ كَانُوا يُحِبُّونَ، وَكَيْفَ كَانُوا يَخَافُونَ، وَكَيْفَ كَانُوا يُوَاجِهُونَ الْمَجْهُولَ، وَكَيْفَ كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنَ الْبَسَاطَةِ جَمَالًا، وَمِنَ الْقَلِيلِ حَيَاةً، وَمِنَ الْمَجَالِسِ الصَّغِيرَةِ عَالَمًا وَاسِعًا.
وَهُنَا تَكْمُنُ قِيمَةُ الْأَدَبِ الْحَقِيقِيِّ.
فَالْأَدَبُ لَيْسَ دَائِمًا أَنْ نَخْتَرِعَ عَوَالِمَ لَمْ تُوجَدْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَدَبُ الْعَظِيمُ أَنْ نَكْتَشِفَ الْعَالَمَ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا حَوْلَنَا وَلَمْ نَنْتَبِهْ إِلَى عَظَمَتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ كَادَ يَضِيعَ.
وَهَذَا مَا تَفْعَلُهُ ثَمَنَةُ الْجَنْدَلِ.
إِنَّهَا تَلْتَفِتُ إِلَى الْخَلْفِ لَا هَرَبًا مِنَ الْحَاضِرِ، وَإِنَّمَا لِكَيْ تَمْنَحَ الْحَاضِرَ ذَاكِرَةً.
تَعُودُ إِلَى الْمَاضِي لَا لِكَيْ تَقُولَ لَنَا إِنَّ الْمَاضِيَ كَانَ كَامِلًا، وَإِنَّمَا لِكَيْ تَقُولَ إِنَّ فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَبْقَى.
وَفِي زَمَنٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الْحَيَاةُ حَتَّى تَكَادُ تَمْحُوَ تَفَاصِيلَهَا، تُصْبِحُ هَذِهِ الْعَوْدَةُ ضَرُورَةً ثَقَافِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً.
فَالْأَوْطَانُ لَا تَحْفَظُهَا الْخَرَائِطُ وَحْدَهَا.
تَحْفَظُهَا أَيْضًا الْحِكَايَاتُ.
وَالْهُوِيَّةُ لَا تَسْكُنُ فِي الْكُتُبِ الرَّسْمِيَّةِ وَحْدَهَا.
إِنَّهَا تَسْكُنُ فِي أُغْنِيَةِ أُمٍّ، وَفِي مَثَلٍ تَقُولُهُ جَدَّةٌ، وَفِي حِكَايَةٍ تَرْوِيهَا عَمَّةٌ، وَفِي كَلِمَةٍ ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي مَجْلِسٍ قَدِيمٍ، وَفِي قِصَّةٍ يَخَافُ مِنْهَا الْأَطْفَالُ ثُمَّ يَطْلُبُونَ سَمَاعَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
لِهَذَا فَإِنَّ مَشْرُوعَ ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْكِتَابِ.
إِنَّهُ مَشْرُوعُ حِفْظٍ لِلذَّاكِرَةِ الشَّعْبِيَّةِ، وَإِعَادَةُ الِاعْتِبَارِ إِلَى الْأَدَبِ الشَّفَهِيِّ، وَإِلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ الْجَمِيلِ مِنْ ثَقَافَتِنَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى مِنْبَرٍ كَيْ يَعِيشَ، فَقَدْ كَانَتِ الْمَجَالِسُ مَنَابِرَهُ، وَكَانَتِ الْجَدَّاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ رُوَاةً لَهُ، وَكَانَتِ الذَّاكِرَةُ كِتَابَهُ الْأَوَّلَ.
وَحِينَ تَأْتِي كَاتِبَةٌ مِنْ دَاخِلِ هَذَا النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالثَّقَافِيِّ لِتُعِيدَ كِتَابَةَ مَا سَمِعَتْهُ، فَإِنَّهَا لَا تَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ نَقْلٍ مِيكَانِيكِيٍّ، بَلْ تَقُومُ بِعَمَلٍ أَدَبِيٍّ شَدِيدِ الْحَسَاسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُمْسِكُ بِالْخَيْطِ الرَّفِيعِ بَيْنَ أَمَانَةِ الْمَوْرُوثِ وَحُرِّيَّةِ الْأَدَبِ.
تُحَافِظُ عَلَى رُوحِ الْحِكَايَةِ، لَكِنَّهَا تَمْنَحُهَا لُغَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْبُرَ الزَّمَنَ.
تَحْفَظُ نَكْهَةَ الْمَكَانِ، لَكِنَّهَا تَجْعَلُ الْقَارِئَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ ظُفَارَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ جَلَسَ فِيهَا.
تَسْتَعِيدُ الْمَاضِيَ، لَكِنَّهَا لَا تَحْبِسُهُ فِي الْمَاضِي.
وَهَذِهِ هِيَ بَرَاعَةُ الْكَاتِبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
أَنْ تَجْعَلَنَا نَقْرَأُ الْحِكَايَةَ الْقَدِيمَةَ فَنَشْعُرُ أَنَّهَا وُلِدَتِ الْيَوْمَ.
وَأَنْ تَجْعَلَنَا نَسْمَعُ صَوْتَ الْجَدَّةِ مِنْ خِلَالِ لُغَةِ ابْنَتِهَا وَحَفِيدَتِهَا.
وَأَنْ تَجْعَلَ الْمَسَافَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الزَّمَنِ تَتَلَاشَى.
وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ ثَمَنَةَ الْجَنْدَلِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَاوِيَةٍ لِلْحِكَايَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ فِي سِلْسِلَةِ الْحَكَوَاتِيِّينَ الَّذِينَ حَفِظُوا ذَاكِرَةَ الْمَكَانِ بِالْكَلِمَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الْحَكَوَاتِيَّ الْقَدِيمَ كَانَ يَجْلِسُ أَمَامَ مُسْتَمِعِيهِ، أَمَّا هِيَ فَتَجْلِسُ أَمَامَ صَفَحَاتِهَا، وَتَتْرُكُ لَنَا نَحْنُ أَنْ نَتَحَلَّقَ حَوْلَهَا.
وَكُلُّ صَفْحَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَجْلِسًا.
وَكُلُّ حِكَايَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صَوْتًا.
وَكُلُّ شَخْصِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَجْهًا مَرَّ يَوْمًا فِي حَيَاةِ الْمَكَانِ.
وَكُلُّ نِهَايَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ لَنَا شَيْئًا مِنْ حِكْمَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَاشُوا قَبْلَنَا، وَعَرَفُوا الْحَيَاةَ بِوَسَائِلَ بَسِيطَةٍ، لَكِنَّهُمْ عَرَفُوا الْإِنْسَانَ مَعْرِفَةً عَمِيقَةً.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يَمْنَحُهُ هَذَا الْكِتَابُ لِقَارِئِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ إِلَيْهِ إِحْسَاسًا كَادَ يَضِيعُ: إِحْسَاسَ أَنَّ لِلْحَيَاةِ الْقَدِيمَةِ رَائِحَةً وَصَوْتًا وَمَلَامِحَ.
إِنَّنَا لَا نَقْرَأُ فَقَطْ عَنِ الْمَاضِي؛ بَلْ نَشْعُرُ بِهِ.
نَقْتَرِبُ مِنْهُ.
نَجْلِسُ فِي ظِلِّهِ.
نَسْمَعُ أَصْوَاتَهُ.
وَنَكْتَشِفُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا نَظُنُّهُ بَعِيدًا عَنَّا مَا زَالَ يَسْكُنُنَا.
فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا جَدَّةٌ تَرَكَتْ حِكَايَةً.
وَفِي كُلِّ بَيْتٍ قَدِيمٍ قِصَّةٌ لَمْ تُكْتَبْ.
وَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ ذَاكِرَةٌ تَنْتَظِرُ مَنْ يُصْغِي إِلَيْهَا.
وَفِي كُلِّ مَكَانٍ أَصْوَاتٌ رَحَلَتْ، لَكِنَّهَا لَمْ تَرْحَلْ تَمَامًا؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْ كَلِمَاتِهَا فِينَا.
وَثَمَنَةُ الْجَنْدَلِ وَاحِدَةٌ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا أَنْ يُصْغُوا.
أَنْ يُصْغُوا قَبْلَ أَنْ يَضِيعَ الصَّوْتُ.
وَأَنْ يَكْتُبُوا قَبْلَ أَنْ يَنْطَفِئَ آخِرُ شَاهِدٍ.
وَأَنْ يَمْنَحُوا الْحِكَايَةَ فُرْصَةً أُخْرَى لِلْحَيَاةِ.
إِنَّهَا بِذَلِكَ تُؤَكِّدُ أَنَّ الْكَاتِبَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَاكِرَةِ النَّاسِ مَعَهُ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
وَهَذَا هُوَ الْإِرْثُ الْأَجْمَلُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ الْأَدَبُ.
أَنْ تَأْتِيَ أَجْيَالٌ لَمْ تَعِشْ تِلْكَ الْأَيَّامَ، فَتَقْرَأَ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ وَتَقُولَ:
كَأَنَّنِي كُنْتُ هُنَاكَ.
كَأَنَّنِي جَلَسْتُ إِلَى جَدَّتِي.
كَأَنَّنِي سَمِعْتُ تِلْكَ الْحِكَايَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ.
كَأَنَّنِي عَرَفْتُ أُولَئِكَ النَّاسَ.
كَأَنَّنِي مَشَيْتُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.
كَأَنَّنِي كُنْتُ طِفْلًا مِنْ أَطْفَالِ ذَلِكَ الزَّمَنِ الْجَمِيلِ.
وَهُنَا، تَحْدِيدًا، تَظْهَرُ قِيمَةُ تَجْرِبَةِ الْأَدِيبَةِ وَالرِّوَائِيَّةِ ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ؛ فَهِيَ لَا تَسْتَعِيدُ مَوْرُوثَ ظُفَارَ بِوَصْفِهِ أَثَرًا مِنَ الْمَاضِي، وَإِنَّمَا تَمْنَحُهُ حَيَاةً جَدِيدَةً، وَتَضَعُهُ فِي مُتَنَاوَلِ الْأَجْيَالِ الَّتِي رُبَّمَا لَمْ يَعُدْ لَدَيْهَا الْوَقْتُ لِتَجْلِسَ طَوِيلًا فِي مَجَالِسِ الْحِكَايَةِ.
إِنَّهَا تَمُدُّ جِسْرًا بَيْنَ زَمَنَيْنِ:
زَمَنٌ كَانَتْ فِيهِ الْحِكَايَةُ تُرْوَى مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ، وَزَمَنٌ أَصْبَحَتْ فِيهِ الْحِكَايَةُ تُحْفَظُ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ.
وَبَيْنَ الزَّمَنَيْنِ تَقِفُ الْكَاتِبَةُ، حَامِلَةً مِصْبَاحَ الذَّاكِرَةِ.
لَا تُرِيدُ لِهَذَا النُّورِ أَنْ يَنْطَفِئَ.
وَلَا تُرِيدُ لِلْحِكَايَاتِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَسْمَاءٍ بِلَا أَرْوَاحٍ.
وَلَا تُرِيدُ لِأَصْوَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْجَدَّاتِ أَنْ تُصْبِحَ مُجَرَّدَ صَدًى بَعِيدٍ.
بَلْ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ لَنَا جَمِيعًا:
إِنَّ مَا كَانَ جَمِيلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ.
وَإِنَّ مَا كَانَ أَصِيلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَحْمِيَهُ.
وَإِنَّ الْحِكَايَةَ الَّتِي صَنَعَتْ وِجْدَانَ النَّاسِ لَيْسَتْ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْ أَيِّ أَثَرٍ مَكْتُوبٍ.
وَإِنَّ التُّرَاثَ حِينَ يَحْمِلُهُ قَلَمٌ مُحِبٌّ لَا يَعُودُ مَاضِيًا فَقَطْ، بَلْ يُصْبِحُ مُسْتَقْبَلًا أَيْضًا.
مِنْ هُنَا تَأْتِي تَحِيَّةٌ كَبِيرَةٌ إِلَى ثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ؛ إِلَى الْكَاتِبَةِ الَّتِي اخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ امْتِدَادًا لِلْأَصَالَةِ لَا قَطِيعَةً مَعَهَا، وَأَنْ تَجْعَلَ مِنَ الْكِتَابَةِ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الْوَفَاءِ، وَمِنَ الرِّوَايَةِ جِسْرًا بَيْنَ الْأَجْيَالِ، وَمِنَ الْحِكَايَةِ الشَّعْبِيَّةِ بَيْتًا جَدِيدًا لِأَرْوَاحِ مَنْ رَحَلُوا.
تَحِيَّةٌ إِلَى ابْنَةِ ظُفَارَ الَّتِي عَادَتْ إِلَى ذَاكِرَةِ الْمَكَانِ كَمَا يَعُودُ الْمَرْءُ إِلَى بَيْتِ طُفُولَتِهِ؛ لَا لِيَتَفَقَّدَ الْجُدْرَانَ فَحَسْبُ، بَلْ لِيَبْحَثَ عَنِ الْأَصْوَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهَا.
تَحِيَّةٌ إِلَى الْكَاتِبَةِ الَّتِي عَرَفَتْ أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الْمَاضِي لَيْسَ أَنَّهُ مَضَى، بَلْ أَنَّ فِيهِ أَشْيَاءَ يَجِبُ أَلَّا تَمْضِيَ.
فَلْتَبْقَ الْحِكَايَةُ.
وَلْتَبْقَ ظُفَارُ فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ كَمَا بَقِيَتْ فِي الذَّاكِرَةِ: أَرْضًا لِلْحِكَايَةِ، وَمَسْرَحًا لِلْخَيَالِ، وَمَوْطِنًا لِلْإِنْسَانِ، وَمَكَانًا تَتَعَانَقُ فِيهِ الطَّبِيعَةُ مَعَ الْأُسْطُورَةِ، وَالْحَيَاةُ مَعَ الْحِكْمَةِ، وَالذَّاكِرَةُ مَعَ الْحُلْمِ.
وَلْتَبْقَ أَصْوَاتُ الْجَدَّاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ حَاضِرَةً بَيْنَ السُّطُورِ، كَأَنَّهُنَّ يَجْلِسْنَ فِي مَجْلِسٍ قَدِيمٍ، يَرْوِينَ لَنَا مِنْ جَدِيدٍ، وَنَحْنُ نُصْغِي.
أَمَّا ثَمَنَةُ الْجَنْدَلِ، فَقَدِ اخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ الْأُذُنَ الَّتِي سَمِعَتْ، وَالْقَلْبَ الَّذِي حَفِظَ، وَالْقَلَمَ الَّذِي خَلَّدَ.
وَهَذِهِ، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ مُهِمَّةَ كَاتِبَةٍ فَحَسْبُ.
إِنَّهَا رِسَالَةٌ.
رِسَالَةُ امْرَأَةٍ تَنْتَمِي إِلَى مَكَانِهَا، وَتَحْمِلُ ذَاكِرَتَهُ، وَتَعْرِفُ أَنَّ مَنْ يَحْفَظُ الْحِكَايَةَ إِنَّمَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانَ.
فَشُكْرًا لِثَمَنَةِ الْجَنْدَلِ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكْ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ تَمْضِي وَحِيدَةً إِلَى النِّسْيَانِ.
وَشُكْرًا لَهَا لِأَنَّهَا أَعَادَتْ إِلَيْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي كُلَّمَا ابْتَعَدَ عَنَّا ازْدَدْنَا حَنِينًا إِلَيْهِ.
وَشُكْرًا لَهَا لِأَنَّهَا جَعَلَتْ مِنْ صَفَحَاتِ الْكِتَابِ مَجْلِسًا آخَرَ، وَمِنَ الْحُرُوفِ أَصْوَاتًا، وَمِنَ الذَّاكِرَةِ وَطَنًا.
وَحِينَ تَنْتَهِي الْحِكَايَةُ، لَا يَنْتَهِي الْكِتَابُ.
بَلْ تَبْدَأُ الْحِكَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ…
حِكَايَةُ الذَّاكِرَةِ وَهِيَ تَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبِ الْكَاتِبَةِ إِلَى قَلْبِ الْقَارِئِ، وَمِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، لِتَقُولَ لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا:
هُنَا كَانَتْ حِكَايَاتُنَا…
وَهُنَا عَاشَ أَهْلُنَا…
وَهُنَا كَانَ زَمَنٌ جَمِيلٌ…
وَهُنَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ أَرْوَاحِنَا، مَحْفُوظًا بِالْكَلِمَةِ، لَا يَمُوتُ.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img