كتبه/ عيسى بن سالم بن علي البلوشي
سيبرجايا – ماليزيا/ السبت ٢٠/٦/٢٠٢٦
تواجه المؤسسات اليوم تحديات متسارعة تتطلب من القادة القدرة على اتخاذ القرارات السليمة في الوقت المناسب، مع المحافظة على كفاءة الأداء واستدامة النتائج. وفي ظل تعدد المهام وتشعب المسؤوليات، يبرز مفهوم القائد وفق قاعدة 80/20 باعتباره أحد الأساليب القيادية التي تساعد على تحقيق نتائج أكبر بموارد وجهود أقل. ويستند هذا المفهوم إلى قاعدة باريتو الشهيرة التي تفترض أن نسبة صغيرة من الأسباب تقود إلى معظم النتائج، وهي الفكرة التي تناولها بيل كانادي في كتابه The 80/20 CEO وطبقها على عالم الإدارة والقيادة.
في البيئة العمانية، اعتاد كثير من القادة على متابعة مختلف التفاصيل التشغيلية اليومية، سواء بحكم المسؤولية أو بحكم الثقافة الإدارية التي ترى في القائد المرجع الأول والأخير في معظم القرارات. ورغم أهمية المتابعة، إلا أن القائد الفعال يدرك أن نجاحه لا يقاس بكمية الأعمال التي يشرف عليها، وإنما بقدرته على التركيز على القضايا الأكثر تأثيراً في أداء المؤسسة والعاملين فيها.
فالقائد وفق قاعدة 80/20 يسأل نفسه باستمرار: ما هي الأنشطة أو القرارات القليلة التي يمكن أن تحقق أكبر أثر؟ وما هي المشكلات الأساسية التي يؤدي حلها إلى معالجة عدد كبير من التحديات الأخرى؟ ومن خلال هذا التفكير يتمكن من توجيه الجهود نحو الأولويات الحقيقية بدلاً من استنزاف الوقت في أمور ثانوية قد تبدو مهمة لكنها لا تصنع فرقاً ملموساً في النتائج.
ويظهر هذا النهج بوضوح في إدارة الموارد البشرية. فبدلاً من توزيع الجهد بالتساوي على جميع المبادرات، يركز القائد على تطوير الكفاءات الأكثر تأثيراً في العمل، وتمكين الموظفين القادرين على إحداث التغيير الإيجابي. كما يحرص على بناء ثقافة تعتمد على الإنجاز وتحمل المسؤولية، مما يخلق بيئة عمل أكثر إنتاجية ومرونة.
وفي المؤسسات العمانية التي تعتمد على العمل الجماعي والعلاقات الإنسانية القوية، تساعد قاعدة 80/20 القائد على تحقيق التوازن بين الاهتمام بالأفراد وتحقيق الأهداف. فليس المطلوب أن يكون القائد حاضراً في كل صغيرة وكبيرة، وإنما أن يكون مؤثراً في القضايا الجوهرية التي توجه المؤسسة نحو النجاح. ولذلك فإن التفويض الفعال، وبناء الثقة، وتمكين القيادات الوسطى، تعد من أهم الأدوات التي يستخدمها القائد لتحقيق هذا التوازن.
كما أن هذا النهج يساعد على رفع جودة اتخاذ القرار. فبدلاً من جمع كميات كبيرة من المعلومات دون فائدة عملية، يركز القائد على البيانات والمؤشرات الأكثر ارتباطاً بالأهداف الاستراتيجية. وهذا يتيح له سرعة أكبر في الاستجابة للتحديات والفرص، ويمنع الوقوع في فخ التعقيد الإداري الذي يبطئ العمل ويقلل من فاعليته.
إن القائد الناجح ليس بالضرورة من يعمل أكثر من غيره، بل من يعرف أين يوجه جهده ووقته وموارده. وعندما يتبنى القائد العماني فلسفة 80/20، فإنه يصبح أكثر قدرة على التركيز، وأكثر كفاءة في إدارة الموارد، وأكثر نجاحاً في تحقيق النتائج التي تخدم المؤسسة والعاملين فيها. فالقيادة الحقيقية لا تكمن في القيام بكل شيء، وإنما في معرفة ما يستحق أن يحظى بالاهتمام أولاً، ثم توجيه الجهود نحوه بثقة ووضوح وحكمة.


