في إحدى أمسيات مسقط الهادئة، جلس حشر قرب نافذة مقهى “أسطول البن”، يتأمل حركة الناس أكثر مما يتأمل فنجان القهوة أمامه. كان الفنجان لا يزال ممتلئًا، لكن اهتمامه لم يكن منصبًا عليه بقدر ما كان منشغلًا بسؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: ما الذي يدفع الناس إلى المقهى اليوم؟ هل يأتون من أجل القهوة فعلًا، أم من أجل شيء آخر تمنحه لهم هذه المساحات؟
وفي الجهة الأخرى من المدينة، وعلى طريق فنجاء المتعرج، كان مقهى “الكارجة” يعج بالحياة. سيارات تصل تباعًا، مجموعات تتبادل الأحاديث، وشباب يوثقون لحظاتهم بالصور، بينما تنتقل الأكواب بين الطاولات كجزء من المشهد أكثر من كونها مجرد مشروب يُستهلك.
مع مرور الوقت، لاحظ حشر أن القهوة نفسها لم تعد محور التجربة. فما إن تصل إلى الطاولة حتى تتراجع إلى الخلفية، لتفسح المجال للأحاديث واللقاءات والصور واللحظات المشتركة. وكأن الفنجان أصبح مجرد نقطة بداية لشيء أكبر.
وبينما كان يراقب المشهد، تذكر ما يعرفه عن الاقتصاد السلوكي. فالناس لا يشترون المنتجات لخصائصها المادية فقط، بل لما تمثله اجتماعيًا. نحن لا نستهلك الأشياء فحسب، بل نستهلك المعاني المرتبطة بها.
لهذا لم تعد القهوة مجرد مزيج من البن والماء الساخن. أصبحت رمزًا اجتماعيًا وتجربة تحمل دلالات معينة. فالجلوس في “أسطول البن” مثلًا لا يعني فقط احتساء قهوة جيدة، بل الانتماء إلى أجواء محددة ومشهد اجتماعي معين.
وكانت التفاصيل اليومية تؤكد ذلك. ففي كثير من الأحيان تُلتقط الصور قبل تذوق القهوة، وأحيانًا حتى قبل طلبها. وكأن القيمة لم تعد محصورة في الطعم، بل في القدرة على مشاركة التجربة وإظهارها للآخرين.
هنا يظهر مفهوم “الدليل الاجتماعي”. فالناس بطبيعتهم يميلون إلى ما يرونه شائعًا ومقبولًا. المقهى المزدحم يبدو أكثر جاذبية، والصورة الجميلة على وسائل التواصل تمنح الانطباع بأن التجربة تستحق التجربة. ومع الوقت يتحول القرار من سؤال شخصي: “ماذا أحب؟” إلى سؤال اجتماعي: “أين يذهب الجميع؟”.
لكن التأثير الاجتماعي ليس العامل الوحيد. فالقهوة أصبحت أيضًا وسيلة للتعبير عن الهوية. اختيار مقهى في قلب المدينة قد يعكس نمط حياة سريعًا وحضريًا، بينما يوحي اختيار مقهى قريب من الطبيعة برغبة في الهدوء والتوازن. وهكذا يتحول الفنجان إلى رسالة غير مباشرة عن الشخص الذي يحمله.
يتذكر حشر موقفًا طريفًا شاهده في “أسطول البن”. جلس شابان إلى طاولة، وبدأ أحدهما يلتقط صورًا لفنجانه من زوايا مختلفة قبل أن يتذوقه. سأله صديقه مازحًا: “ليش ما تشرب؟” فأجاب مبتسمًا: “أولًا الصورة، بعدين القهوة”.
ابتسم حشر حينها. فالجملة بدت بسيطة، لكنها تختصر تحولًا كبيرًا؛ إذ أصبحت قيمة التجربة في بعض الأحيان مرتبطة بعرضها ومشاركتها بقدر ارتباطها باستهلاكها.
وفي “الكارجة” كان المشهد يحمل طابعًا مختلفًا قليلًا. فالناس يقصدون المكان بحثًا عن الهدوء والابتعاد عن صخب المدينة، لكن حتى هذا الهدوء أصبح جزءًا من التجربة التي يرغب الكثيرون في مشاركتها. وكأن الراحة نفسها أصبحت محتوى.
ومن منظور الاقتصاد السلوكي، يرتبط ذلك بمفهوم “الندرة”. فكلما بدت التجربة فريدة أو مرتبطة بمكان يصعب تكراره، ازدادت قيمتها في أذهان الناس. ولهذا تحولت بعض المقاهي إلى وجهات يقصدها الزوار بحد ذاتها، لا لمجرد شرب القهوة.
عند هذه النقطة بدأت الصورة تتضح أمام حشر. فالمقهى الحديث لم يعد مجرد مكان يقدم مشروبًا، بل منصة اجتماعية حقيقية؛ طاولات تجمع الناس بدل الشاشات، وأحاديث مباشرة بدل التعليقات، وتجارب تُعاش قبل أن تُنشر.
هذا التحول لم يغير سلوك الزبائن فقط، بل غيّر مفهوم المنتج نفسه. فالتصميم الداخلي، والإضاءة، والموسيقى، وطريقة التقديم أصبحت عناصر أساسية في القيمة التي يشتريها العميل، تمامًا مثل جودة القهوة.
لكن للمشهد جانبًا آخر أيضًا. فمع النمو السريع لسوق المقاهي، دخل كثيرون المجال اعتمادًا على الزخم والانتشار السريع أكثر من اعتمادهم على الخبرة والتشغيل الاحترافي. ومع زيادة المنافسة، ظهرت مشاريع نجحت في جذب الانتباه عند الافتتاح، لكنها واجهت صعوبة في الاستمرار بسبب ضعف الخدمة أو غياب هوية واضحة.
وفي الاقتصاد السلوكي يُعرف ذلك بتوسيع مفهوم القيمة؛ إذ لم يعد المنتج وحده هو ما يُقيَّم، بل التجربة الكاملة المحيطة به.
ومع ذلك، لم يكن حشر مقتنعًا تمامًا بكل ما يحدث. فقد كان يرى أن التركيز المبالغ فيه على الصورة قد يدفع الجودة إلى الخلف، فيصبح شكل الفنجان أهم من مذاقه، وعدد الصور أهم من جودة التحضير.
وفي لحظة هدوء، نظر إلى فنجانه الذي برد دون أن ينتبه إليه، وقال في نفسه:
“ربما لم تتغير القهوة… نحن فقط أصبحنا نلتقي ونعبر عن أنفسنا من خلالها.”
ثم نهض، دفع الحساب، وغادر المكان. لكن الفكرة بقيت ترافقه.
في النهاية، لم تعد القهوة مجرد مشروب دافئ في صباح بارد. أصبحت وسيلة لقول من نحن، ومع من نجلس، وأين نريد أن نكون.
والسؤال لم يعد: هل القهوة جيدة؟
بل: ماذا تقول عنك الطاولة التي اخترتها؟
لأن القهوة اليوم ليست ما نحتسيه فقط، بل إحدى أكثر الطرق مباشرةً التي نعبّر بها عن هويتنا الاجتماعية ومكاننا داخل المشهد الذي ننتمي إليه.
“القهوة لم تعد تُقاس بطعمها، بل بالمكان الذي تضعك فيه اجتماعيًا.”
عبدالله بن محمد العبري
باحث في الاقتصاد السلوكي
١٩ يونيو ٢٠٢٦ م


